تشبيه الرئيس بوش، في خطابه الأخير، حرب العراق بحرب فيتنام؛ لا يبشر سوى بطول أمد المحنة والاحتلال. فهو طرح المقارنة ـ بعد أن كان قد رفضها باستمرار ـ ليزعم بأن أحد أهم دروس الثانية هو أن التراجع والانسحاب كلفتهما باهظة.
وفي هذا السياق، أعاد التذكير بعمليات «القتل والتهجير والتنكيل» التي وقعت بعد مغادرة القوات الأميركية لفيتنام. استحضار الرئيس لهذا الدرس ـ بالمقلوب بعد أن لوى عنقه ـ جاء في إطار دفاعه المستميت عن سياسته العراقية؛ كما في إطار حملته لاستباق تقرير قائد القوات الأميركية في العراق، بعد حوالي ثلاثة أسابيع الذي من غير المتوقع أن يقدم له ما يعزز موقفه تجاه الكونغرس الديمقراطي؛ المتزايدة نقمته ومعارضته لاستمرار الحرب.
بيت القصيد أن الرئيس بوش، بالرغم من كل وقائع ودروس ورطة العراق؛ لم يتزحزح وليس في نيته التزحزح قيد أنملة؛ لا عن خيار القوة ولا عن التخطيط للبقاء المديد، في بلاد الرافدين. في تبريره أو تسويقه لهذه السياسة يقول إنه لا يقبل أن يترك «الشعب العراقي يغرق في حمام من الدم»؛ وأن التواجد العسكري هناك مطلوب للدفاع عن «الحرية».
وعلى هذا الأساس فإنه ليس في وارد تكرار «خطيئة» ترك فيتنام؛ ولا السماح بتكرار هزيمتها!
«الرئيس يستخلص الدرس الخاطئ من التاريخ، كما قال السناتور كينيدي. فيتنام تحولت إلى مستنقع، لأنها كانت حرباً «في غير محلها»،
ولأنها «طالت» مع الإصرار الخاطئ على التمسك بنفس الاستراتيجية و «عدم التراجع عنها»؛ حسب خلاصات معظم الخبراء الأميركيين. وحدهم الصقور ورموز المحافظين المتشددين زعموا وما زالوا، بأن الانسحاب المبكر يوم ذاك كان «خطأ تاريخياً».
الرئيس بوش ينتمي إلى نفس المدرسة؛ بالنسبة لحرب العراق. دعوته للشعب الأميركي، كي يدعم خطه هذا، تنطوي على كثير من المكابرة؛ بل التحدي للذاكرة والحس العام. وهو لا يلعب سياسة فقط؛ بل يعبر عن قناعة، لا ترى في أية صيغة، غير النصر الحاسم، سوى هزيمة.
ومن خلال حصر الحرب في مثل هذه المعادلة الضيقة، يطلق حملته لكسب الدعم. أو على الأقل لوقف تنامي الاعتراض على سياسته. كما بدأت مجموعات ضغط نافذة بإطلاق حملة موازية لدعم الرئيس وخياراته في العراق. ومن المرتقب أن يتكثف هذا التحرك، ليس خلال الأسابيع الثلاثة القادمة فقط بل أيضا بعد صدور تقرير الجنرال بتريوس.
الإدارة حسمت من زمان، في هذا الاتجاه. وأمس في خطابه التشبيهي ـ بفيتنام ـ قطع الرئيس بوش الشك باليقين: لا انسحاب ولا حتى جدولة لانسحاب. الرسالة واضحة. وصاحبها لايزال أمامه سنة وأربعة أشهر في البيت الأبيض. وهي فترة قد لا يحتملها العراق والعراقيون؛ إذا ما بقيت الأمور على ما هي فيه. فهل ثمة من يقظة عراقية تؤدي إلى قطع الطريق على استمرار هذا النزف وتداعياته المدمرة؟.
