قبل أربعة أيام تحدثت تقارير إعلامية إسرائيلية عن أن دولتين عربيتين نقلتا لإسرائيل رسالة مفادها أن سوريا لا تملك أية نية لمهاجمتها في الأشهر القليلة القادمة، وجاء هذا الحديث بعد "القلق" الذي أبدته إسرائيل مما يتردد أن سوريا تعتزم تلقي أسلحة جديدة. وأمس تحدث وزير البنية التحتية الإسرائيلي بنيامين بن اليعازر محذرا سوريا من مغبة شن حرب على إسرائيل. مؤكدا أن "إسرائيل تبذل جهودا لتجنب حرب كهذه".
ما يحدث هو أن إسرائيل تحصن نفسها بأحدث الأسلحة الأمريكية وبدعم مالي أمريكي بلغ 30 مليار دولار للسنوات العشر المقبلة، مع تعهد أمريكي بضمان التفوق العسكري لإسرائيل على جيرانها العرب، ومازال الوفاء الأمريكي بهذا الوعد قائما، ومع ذلك يقول الوزير الإسرائيلي إن بلاده تبذل جهودا لتجنب الحرب.
الفرق بين العرب والإسرائيليين هو أن العرب يكررون استعدادهم للسلام وبشكل عملي تجسد في قبولهم مبدأ الأرض مقابل السلام، والاستعداد للاعتراف بمبدأ الدولتين، ورافق هذا الاستعداد غياب أي مظهر يدل على عكس رغبتهم السلمية، بينما لم تقدم إسرائيل أية مبادرة سلمية ملموسة وترفض المبادرات السلمية العربية، كما تتملص من كل الاتفاقات التي وقعتها مع الفلسطينيين، ولا تتوقف عن الاستعداد العسكري ثم تتحدث بلهجة الخائف والحريص على السلام.
وإضافة إلى ما سبق، لم يبدر من سوريا ما يستدعي من إسرائيل رد فعل انفعاليا قد يتسبب في إضافة معطيات توتر جديدة في المنطقة، إلا إذا أرادت إسرائيل استفزاز أطراف محددة بهدف جرها إلى مواجهة تسمح لها بتنفيس الانسداد الذي تعانيه حكومة أولمرت، وما يصاحب ذلك من تشنج على الساحة الداخلية الفلسطينية، لأن مواجهة خارجية إقليمية في قلب الشرق الأوسط ستمكن إسرائيل من توحيد جبهتها الداخلية وإعادة توزيع الأوراق الفلسطينية بما يخدم مخططاتها، كما تعمل على فتح جبهة تخفف فيها الضغط على الإدارة الأمريكية التي تعيش على وقع خبر مقتل جنودها إما في العراق وإما في أفغانستان أو فيهما معا.
ووسط هذه المعطيات التي تضع المنطقة على شفير الانفجار الشامل، تعمل إسرائيل على إبداء الرغبة في السلام والاستعداد للقتال، مستخدمة لغة الترغيب في السلام والترهيب من الحرب، وهو ما يعني أن إسرائيل تهدد وتلوح بالحرب إذا لم يقبل العرب السلام وفق شروطها.
ومن هذا المنطلق فإن حديث إسرائيل عن أي تهديد ليس سوى تهرب من السلام العادل وباختلاق أوهى المبررات، وستسعى دائما - كما كانت - إلى فرض الحل من وجهة نظرها، فتفرض اتفاقات السلام الذي تريده على الدول العربية، وتحصر الفلسطينيين في رقعة ضيقة وتستحوذ على القدس كاملة وتنهي ملف اللاجئين بإبعادهم نهائيا عن الأرض التي هُجِّروا منها. وطالما لم يتحقق هذا لإسرائيل فستظل تتملص من أي مسعى سلمي جاد وبأقبح الأعذار ولو بإشعال المنطقة.
