أخطأت حماس بانقلابها على السلطة الشرعية، حتى لو بررت ذلك بالفساد وفلتان الأمن، لأن العواقب جاءت أخطر من الأفعال، وفي مدينة تعد الأعلى سكانياً بين مدن العالم، ثم ألم يكن الخيار معالجة الأوضاع داخلياً بين طرفي العلاقة، أو طلب وساطة عربية وإسلامية موسعة إذا كان الأمر يقف على تفضيل المصلحة الوطنية على الحزبية؟.
لا أحد ينكر أن حماس قامت ونشأت على طهارة ذاتية في نضالها، وما قدمته من تضحيات، إلا أن استعانتها بأطراف خارج المنظومة الفلسطينية، ورطتها، ودفعت فتح إلى أن تأخذ الطريق المضاد، وهو في كل الأحوال خطأ كبير تجاوز العقد الإجباري في بقاء الوحدة الوطنية فوق الخلافات، والمؤسف أن الذين تقاسموا الخلافات هم في الخندق الواحد مع إسرائيل ومن يوالونها..
فتح تاريخ عريق في الحركة لكن تمنعها عن بعض الإصلاحات ومكاشفة الشعب الفلسطيني وكسر احتكار المناصب، أضاف لحماس رصيداً كبيراً من المواطنين الذين خرجوا عن خط فتح، ومع ذلك هل يمكن وصف حصار غزة بالموقف الإنساني والطبيعي، ثم ألا يكون ذلك مدعاة إلى سخط عربي وإسلامي، بأن يوظف الخلاف في عزل كامل لنصف الشعب الفلسطيني، لتنقطع الكهرباء في جو حار، ليضاف إلى حصار إسرائيل، واستمرار هجومها العسكري، وهي مسألة في تقدير أي مراقب تخالف أخلاقيات كل فرد في جبهتي الصراع، واللتين كان من المفترض أن تحكمهما فضيلة النضال على أي شيء آخر في قوائم الأولويات..
الطرفان يلتقيان على أن اتفاق مكة المكرمة قائم، وبصرف النظر عمن تسبب في تجميده وإذا كان هذا الهدف قائماً، فما هي الموانع أن يكون لإعادة الحوار، وفتح القنوات المغلقة وعلى الأقل، وقفلها على الذين أقاموا سياجاً نفسياً بين طرفي النضال، والهوية والمواطنة الواحدة..
رحلة الأشهر الماضية لم تعط لفتح نصاباً جيداً من الانتصارات أو حالة الانفراج مع الخصم الإسرائيلي، إلا مجموعة مساومات ووعود، وتنازلات عن عودة اللاجئين، وكذلك حماس لم تجن إلا ضغطاً حاداً اقتصادياً، واجتماعياً، وهذا يوضح أن أي انشطار بين الأحزاب أو الفئات الفلسطينية يجيّر كخسارة كلية للجميع، والنتيجة أنه من غير المنطقي أن يصبح الغرب رحيماً على مجتمع غزة أكثر من سكان الضفة..
العرب حائرون، لأن مفصل القضية بيد أصحابها، إذ لم تنفع الاتفاقات وتوقيع المواثيق الملزمة لكل القيادات أن تمنع الانقسام وتجذره، وبالتالي فإن الموقف مرتبط بأصحاب المشكلة، حتى إن الذين حاولوا، وبإخلاص، مثل المملكة، ومصر، أن لا تنشطر الحالة الفلسطينية أصبحوا عاجزين عن التدخل، أو حتى محاولة الدخول من جديد في حسم الخلافات، لأن ما برز، حتى الآن، أن أي وسيط يوضع على قائمة الاتهام، بأنه مع أو ضد أي من الفريقين..
لقد انتصرت الديموقراطية في الاقتراع الحر والإيجابي عند الانتخابات، ولكنها سقطت عند التطبيق، والمؤلم أن الوضع الفلسطيني خاضع بكليته إلى السلبيات العربية التي طالما أصبح الانقسام أحد ثوابتها، لكن الخلاف داخل دول ذات سيادة، يختلف عن منظمة تواجه عدواً، وقد اكتسب شعبها نضجاً كبيراً أكثر من أي نظام آخر، لكن علته أن عدوى الأمراض العربية، هي من تسبَّب بالزكام الفلسطيني لتتحول الى حمى قاتلة..
