في الماضي وقبل اختراع وسائل المواصلات السريعة كانت البحار تفصل بينما كانت الأنهار تربط، ومع ذلك ظلت الحاجة قائمة إلى إقامة الجسور عبر البحار وفوق الأنهار لتحقيق الاتصال وتعميق التواصل بين الشعوب والثقافات.

وإلى عهد قريب في الوطن العربي كانت بحار السياسة بأمواجها المتقلبة وأعاصيرها الغاضبة تفصل، بينما كانت أنهار الصحافة هي جسور اللقاء والحوار التي تربط وتصلح ما تفسده السياسة.

ومرت مرحلة مغايرة تبادلت فيها الصحافة والسياسة الأدوار، فأصبحت السياسة توحد ما تفرقه الصحافة وتصلح ما تفسده الصحافة!

ومازلنا نتطلع إلى اليوم الذي يكون فيه اتجاه السياسة والصحافة هو توحيد هذا الوطن العربي الواحد الذي مزقته بالأمس خرائط المستعمرين في «سايكس بيكو» الأولى.

وتسعى اليوم السياسة الصهيونية - الأميركية إلى شرذمته وبعثرته وتفريقه في «سايكس بيكو» الثانية بخرائط جديدة تضم حدودا عازلة جديدة بين العرب والعرب، وتنسف الجسور بين العرب والمسلمين، وتزرع الفتنة بين المسلمين والمسلمين، ليتحقق في النهاية مشروع «الشرق الأوسط الكبير» بهيمنة أميركية وقيادة إسرائيلية!

أتحدث عن علاقة الإعلام بالسياسة، وعلاقة السياسة بالإعلام في الوطن العربي في ظل غموض دور السياسة والتباس دور الإعلام في مواجهة الهجمة الصهيونية السياسية والإعلامية والثقافية والعسكرية والاقتصادية على هذا الشرق العربي الإسلامي.

فحينما تقول البديهية البسيطة «أن الإتحاد قوة والتفرق ضعف» التي يعرفها القاصي والداني يصبح معيار الاستقامة السياسية هو العمل على توحيد المواقف العربية في إطار استراتيجية سياسية واحدة يتضامن فيها الكل مع كل جزء يتعرض للاحتلال أو للعدوان أو للتهديد بالعدوان، ولا يخرج فيها الجزء على إجماع الكل حتى لا تأكل الذئاب الشاه القاصية.

وحينما تقول البديهية البسيطة أن «الإتحاد قوة والتفرق ضعف» يصبح معيار الحكم على إيجابية دور الإعلام العربي هو مدى ما استطاع أن يحققه من دور الجسر ودور المحاور ودور المعبر عن تطلعات الشعب العربي فيما يوحد لا فيما يفرق.

لكن تداخل الأدوار وتخلي غالبية الإعلام عن دوره المحاور لكل الأطراف واتخاذ موقف التابع الدائم لأحد الأطراف، وبدلاً من أن يكون جسراً ذا اتجاهين لعبور وجهات النظر بقصد بلورة القواسم المشتركة والتمسك بها أصبح ميداناً للقصف الإعلامي المتبادل كصدى للخلاف السياسي المتبادل.

وبينما ندرك جميعاً أن ما يجمع بين العرب والعرب في الواقع وبين المسلمين والمسلمين هو أكثر مما يفرقهم في السياسة وصداها الإعلامي فإن واجب الإعلام العربي هو التأكيد على ما يوحد والتغاضي عما يفرق والتصدي للكبائر والتعالي عن الصغائر.

لكن السياسة غير الحكيمة هي التي تتعامل مع القليل الذي يفرق، بينما تتجاهل الكثير الذي يوحد، والإعلام غير الرشيد هو الذي تستوقفه الصغائر ولا تقلقه الكبائر بل هو الذي يهول الصغائر ويهون الكبائر غالبا، وأحيانا ما يستهويه تحويل الصغائر إلى كبائر!

وقد يرى بعض الإعلاميين أن ذلك الواقع غير المرغوب فيه الناتج من اختراق السياسة للإعلام وتحول الإعلام إلى صدى مضطرب لسياسة مضطربة، هو نتيجة طبيعية لأخطاء السياسة بل ولسيطرة السياسة على الإعلام. بينما يرى البعض الآخر أن تراجع دور الإعلام الرشيد هو الذي سمح للسياسة أن تتمدد في شرايينه، وإن الإعلام حين يفسد ويفقد دوره كطرف محاور ومحايد وكصوت للشعب وليس بوقاً للسياسيين يساهم في إفساد السياسة والساسة.

وبين هذا وذاك يبدو الحل في فك الارتباط بين الإعلام والسياسة بمعنى عودة الإعلام إلى دوره الحقيقي وعودة السياسة إلى دورها الحقيقي. والمطلوب من السياسة أن تسعى لتوحيد قوى الوطن وأوطان الأمة لحماية الأمة وبناء النهضة.. وعلى السياسة أن ترفع يدها عن وسائل الإعلام بكف الضغوط عليه وبكف محاولات إفساده بالإغراء بالسلطة أو المال حتى لا يتحول الإعلام إلى أدوات في يد السلطة.

ومطلوب من الإعلام أن يحافظ على الوقوف على مسافة متساوية بين كل سلطات الوطن وبين كل حكومات الأمة، وأن يكون صوتاً للشعوب حتى يمكنه القيام بدوره الموضوعي الحر والمسؤول التزاما بالحقائق وميداناً للحوار بين كل الأطراف المختلفة ونضالا بالكلمة والصورة في تحقيق أهدافه في الوحدة والحرية والعدالة.

ولن يمكن أن يقوم الإعلام بدوره الحر والمسؤول إلا بعد أن يتحرر هو من البقاء مملوكاً لمن يملك السلطة أو مرهونا لمن يملك المال.

mamdoh77t@hotmail.com