كتب السيد أحمد يوسف المستشار السياسي لرئيس الوزراء الفلسطيني المقال إسماعيل هنية يوم الاثنين الماضي مقالاً في جريدة الشرق الأوسط بعنوان «ما الذي جرى في غزة؟.. ولماذا؟» ناقش فيها عدة قضايا هامة تتعلق بالتطورات على الساحة الفلسطينية ومستقبل القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
وأهمية هذا المقال تأتي في أنه عكس العديد من النقاط التي تشير إلى تقدم ملحوظ في الخطاب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية ـ حماس ـ وكذلك في البرنامج السياسي المستقبلي الذي يعتقد أنه اقترب كثيراً ـ إن لم نقل إنه يتطابق ـ مع الخطاب السياسي والبرنامج السياسي لحركة فتح وباقي الحركات الوطنية الفلسطينية، تحديداً عندما تحدث عن قيام دولة فلسطينية في الضفة وقطاع غزة والقدس عاصمة لها، لذلك سيحاول هذا المقال تقديم قراءة سياسية للنقاط الهامة التي جاءت في مقال السيد المستشار أحمد يوسف.
بداية علل السيد يوسف أن ما جرى في قطاع غزة من أحداث دموية عاصفة تتلخص في ما يلي:
أولاً: إن ما حصل في غزة لم يكن أمراً مبيتاً كما يحاول البعض ترويج ذلك، وإنما جاء نتيجة للفشل المتكرر لضبط حالة الفلتان الأمني وفوضى السلاح، والتعديات الصارخة التي طالت شخصيات قيادية من حركة حماس وكوادرها النضالية وبعض الجهات المتعاطفة معها، وكان الرد والتداعيات المتسارعة للأحداث أسبق من محاولات اللواء برهان حماد والوفد الأمني المصري ولجان المتابعة الوطنية والإسلامية، فغرق الجميع في أتون حرب لم يخطط لها أحد.
وإن كانت المعلومات لدينا أن هناك تياراً داخل حركة فتح كان يعمل على حشد السلاح والرجال ويبيت أمراً بليل لمواجهة حركة حماس وتوجيه ضربة لذراعها العسكري، هنا لا بد التوقف عند نقطة هامة ذكرها السيد يوسف وهي أن كل ما حصل لم يكن مخططاً له من قبل وأن الأحداث والتطورات كانت العامل الرئيس في الوصول إلى النتائج التي يعيشها الشعب الفلسطيني في الوقت الراهن.
ولذلك نتساءل بحرص وحذر ومن موقع المسؤولية الوطنية أنه إذا كان هذا هو حقيقة ما جرى فهذا يعني أن القيادة السياسية لحركة حماس في الداخل والخارج لم تكن تتوقع هذا الأمر ولم تعمل على دفع الأمور إلى هذه النتائج الدراماتيكية، وأنها لم تتمكن فيما بعد بوقف الاندفاع الحماسي للمقاومين الحمساويين وآخرين في القوة التنفيذية من الاستيلاء على المؤسسات الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة، وهذا الأمر يدعو للقلق والخوف لأنه عادة ما تكون القيادة السياسية لأية تنظيم أو حزب أو دولة هي صاحبة القرار وليست الأجنحة العسكرية أو الشرطية أو ما شابه ذلك.
كما أن القيادة السياسية لحركة حماس سواء في الداخل أو الخارج لم تعلن عن موقف واضح يقود إلى تصحيح الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الأحداث الدامية عن طريق التنسيق الكامل والمباشر مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس والفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية الأخرى ومع القيادات الوطنية الكثيرة في حركة فتح.
وبذلك بدأ الأمر للعديد من المحللين والمراقبين السياسيين في العالمين العربي والإسلامي على أنه استئثار أو انقلاب أو غير ذلك وأن هذا الأمر لما كان يحصل بهذا الشكل والطريقة بدون مخططات أو سيناريوهات مسبقة.
كان يفترض من جميع الأطراف وخاصة من حركتي فتح وحماس العودة إلى مبادئ اتفاق مكة المكرمة الذي مهد الطريق لولادة حكومة وحدة وطنية وتم الاتفاق على ذلك أمام العالم بأسره، كما أنه وجب على جميع الفصائل الفلسطينية وخاصة فتح وحماس العودة مباشرة إلى روح ونصوص مبادئ وثيقة الوفاق الوطني التي وافق عليها الجميع والتي سبقت اتفاق مكة لحل الأزمة وإنهاء الفتنة بين الأخوة الفلسطينيين، أما القول بأن الأحداث تسارعت وأن أطرافاً خارجية تآمرت وأن النوايا لدى الطرف الآخر كانت سيئة .
وأن هناك أشخاصاً في الطرف الآخر يتآمر على القضية الفلسطينية وعلى طرف فلسطيني آخر فهذا لن يقبل كعذر من أحد لأن القضية الفلسطينية ومستقبل الشعب الفلسطيني أهم وأعظم بكثير من أي طرف أو فصيل أو حزب مهما كبر أو صغر، وأن المؤامرات الخارجية لم تكن وليدة هذه الفترة، وأن الحفاظ على القضية الفلسطينية وحمايتها لا يأتي عبر شعارات الوحدة والتوحد بل عن طريق المواقف الحقيقة التي تقود إلى وحدة الجميع سياسياً ووطنياً.
كما يجب على الجميع بدون استثناء الاعتراف بأن القضية الفلسطينية ومقدساتها وشعبها المظلوم منذ عقود أهم وأعظم بكثير من أن ينزعج هذا الطرف أو ذاك لسبب أن رمزاً سياسياً أو مسؤولاً ما قد تم استهداف مقره الرسمي أو غير الرسمي من قبل أطراف فلسطينية تتهم بالخيانة والعمالة أو غير ذلك.
المستغرب أنه كيف يتخذ قادة سياسيون كبار في هذا التنظيم أو ذاك قرارات سياسية تؤثر سلباً على مستقبل قضية عادلة بأسرها وعلى أمن وحياة الشعب الفلسطيني المناضل والصابر بحجة أن بعض العملاء والفاسدين هاجموا هذا المقر أو ذاك؟ أليس هذا الأمر يشكل سابقة في تاريخ النضالات ضد الاحتلال والظلم، ويقلق الشعوب القابعة تحت الاحتلال ويقودها إلى التشكيك في مصداقية العمل السياسي لقياداتها السياسية والوطنية؟
بالمقابل كيف يترك قادة آخرون بعض العناصر من تنظيمها بالقيام بأعمال جريئة تنعكس سلباً على الوحدة الوطنية دونما اتخاذ إجراءات مناسبة وسريعة لوقف حصول أي تدهور في الشارع الفلسطيني؟
الأمر الآخر الذي يجب مناقشته في هذا المقام هو ما قاله السيد يوسف حول الموقف الأميركي في ظل إدارة الرئيس بوش ورؤيته لمرحلة ما بعد إدارة بوش. لقد اتهم السيد يوسف مباشرة إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش بتعطيل أية جهود سياسية ودبلوماسية لاستئناف الحوار الوطني الفلسطيني وبالتآمر على توسيع شقة الخلافات بين الفلسطينيين، مؤكداً أن حركة حماس لا تراهن كثيراً على حصول أية انفراج في الموقف الأميركي في ظل هذه الإدارة.
وأنه لا بد من العمل لمرحلة ما بعد إدارة الرئيس بوش ـ تحديداً بعد فوز الديمقراطيين بالانتخابات الرئاسية، وأنه من الضروري تعزيز التواصل مع الأوروبيين الذين، يبدون تفهماً جيداً تجاه حركة حماس والحل السياسي للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
إن السيد يوسف محق جداً بقوله إن الإدارة الأميركية الحالية لا تبدي أية جدية حقيقية في إيجاد حل للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لأسباب عديدة لا تخفى على أحد.
وفي مقدمتها تطرف هذه الإدارة على أسس إيديولوجية تجعلها قريبة جداً من الإسرائيليين والتخبط السياسي الذي تعاني منه بسبب حربيها في العراق وأفغانستان. كما يجب أن لا ننسى الهزيمة العسكرية التي منيت بها إسرائيل التي دعمت بشكل علني من قبل الحليف الأميركي.
ولكن هذا لا يعني أن تغير الحكم في واشنطن في حال فاز الديمقراطيون بالانتخابات الرئاسية سيقود إلى نغيير دراماتيكي في موقف الإدارة الديمقراطية تجاه الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بشكل خاص. إن التغيير في الموقف الأميركي الذي يمكن أن تشهده المنطقة سينعكس على الملفات الساخنة الأخرى كالعراق ولبنان وأفغانستان، وكذلك في العلاقات الأميركية ـ العربية والأميركية والإقليمية.
فحماس لا تزال ترفض الاعتراف بإسرائيل قبل التوصل إلى تسوية وهذا يعقد الأمر لقادة حماس لا سيما هؤلاء الذين قد يودون إقامة علاقات جيدة مع الولايات المتحدة دون إسقاط ما تبقى لديهم من وسائل الضغط السياسية، كما أن الإفراط في التفاؤل حيال موقف أوروبي إيجابي تجاه حركة حماس أو حتى الشعب الفلسطيني على حساب العلاقات الأوروبية ـ الأميركية هو خطأ كبير يجب أن لا يقع فيه أي من القادة الفلسطينيين. فسياسة الدول الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية.
وإن تفاوتت قليلاً عن السياسة الأميركية، تحكمها بوصلة المصالح الاستراتيجية أولاً ومدى اختلاف المواقف الأوروبية فيما بينها ثانياً، وهنا لا بد القول من أن على حركة حماس وغيرها دراسة وتحليل السياسات الفلسطينية بشكل دقيق منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وحتى توقيع اتفاقات أوسلو التي رفضتها وعملت ضدها وبعدها وكيف تطورت المواقف الدولية تجاهها حتى وصل الشعب الفلسطيني وقياداته إلى هذا الفصل التاريخي الخطير من فصول القضية الفلسطينية.
إن أفضل ما يقال لإنهاء هذا المقال هو التشديد على ما ذكره السيد يوسف أن على حركة حماس وحكومة تسيير الأعمال التي يرأسها إسماعيل هنية أن تظل تدعو للحوار وتؤكد عليه، وأن تنشط في اتجاه تحريك أطراف عربية وإسلامية وحتى دولية لمعاودة الحوار بين حركتي فتح وحماس، بأمل التوصل إلى وفاق وطني ينهي الخلافات والقطيعة ويحقق الشراكة السياسية والوطنية، لأن وحدة الشعب الفلسطيني مدعوماً من قبل الأمتين العربية والإسلامية هو الطريق الصحيح الذي سيمكن هذا الشعب من تحقيق استقلاله ونيل حريته وإقامة دولته في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس عاصمة لها.
كاتب وباحث سياسي