يشهد العالم هذه الأيام ومنذ فترة غير قصيرة، كوارث متنوعة من زلازل وأعاصير وفيضانات وجفاف وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، عمت الكرة الأرضية كلها و«وحدت» سكانها في حالة من الإنهاك والعجز أمام غضب الطبيعة وقواها المدمرة التي أشعلت الحرائق وأغرقت القرى ودمرت المنازل وشردت مئات الآلاف من البشر في مختلف أصقاع العالم.
ويعيد العلماء والمختصون هذا الغليان الكوني إلى التغير الحاصل في المناخ، بسبب «الاحتباس الحراري» الناتج عن تصرفات البشر (أو بعضهم) ومخلفاتهم الصناعية التي أرهقت كاهل الأوزون وهتكت طبقته التي كانت تقينا بعض أشعة الشمس الضارة، مما أحدث خللاً في طبقات الجو العليا وفي النظام الطبيعي للأرض ومحيطها، وأدى إلى هذا الاضطراب الكوني وما تولد عنه من كوارث وتغير في أحوال الطبيعة والبشر.
وقد سبق لخبراء تابعين للأمم المتحدة أن حذروا من انعكاس هذا التغير المناخي وتأثيراته السلبية على سلوك البشر وتبدل أساليبهم المعيشية وقدرتهم على التعايش، مما ينذر بمزيد من الحروب والهجرات السكانية وانتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة.
لكن توقعات علماء الطبيعة وخبراء المناخ كانت تمنحنا فسحة من الوقت، وربما الأمل، تمتد بين عشر سنوات وخمس وعشرين سنة، قبل أن «يقع الفأس في الرأس» وتصبح تنبؤاتهم واقعاً معاشاً لا يمكن تغييره ولا التعايش معه.
غير أن العرب، على غير العادة، كانوا سباقين سياسياً هذه المرة، واختصروا الزمن أو «استعجلوا الهلاك»، فلم ينتظروا مآل الاحتباس الحراري ونذره التي قد تتأخر وقد لا تأتي وفق التوقعات، إذا استطاعت الدول الملوِّثة للبيئة أن تتخلى، ولو جزئياً، عن بعض أنانيتها واستهتارها بمصير البشرية، وقبلت ببعض الإجراءات لتقليل نسبة الانبعاثات الغازية والتخفيف من الأضرار التي لحقت بطبقة الأوزون والحد من نتائجها المدمرة.
فبدلاً من الانتظار «الممل» لنتائج الاحتباس الحراري، فضل العرب على ما يبدو، إيجاد «احتباسهم» الخاص وعلى طريقة الوجبات السريعة أو «التيك أوَي»، ووجدوا في «الاحتباس السياسي» ضالتهم المنشودة، أو ضلالهم المعهود!
وهكذا بدأت العلاقات العربية ـ العربية تشهد، من جديد، ثورة بركان هنا أو حدوث زلزال هناك وفيضانات من الاتهامات والحملات الإعلامية المتبادلة، فضلاً عن موجات المد والجزر وحالات الجفاف والجفاء.
ولم يقتصر هذا «الاحتباس السياسي» وآثاره المدمرة، على العلاقات بين الدول العربية وبعضها فحسب، وإنما تغلغل عميقاً بين بعض المكونات والتشكيلات السياسية أو «المتسيسة» داخل أكثر من بلد عربي، مشرقاً ومغرباً على السواء!
ربما يجد البعض في ذلك شكلاً من أشكال «الوحدة العربية»، ذلك التعبير الذي لم يعد له معنى مفهوم لدى الكثيرين، وفي ظني انه لا يعني عند الغالبية من القلة الباقية أكثر من بقية «أثر» من آثار الماضي، قد يهم بعض الآثاريين ومثلهم من هواة جمع الآثار و«التحف» القديمة، لكنه بالتأكيد غائب عن قاموس السياسة العربية الراهنة ولا مكان له في استخدام أو اهتمام الساسة ومقاولي السياسة على أي حال.
وفي حين تمكن العلماء والمختصون من معرفة أسباب التغيرات المناخية الطبيعية وتنبأوا بما يمكن أن ينتج عنها من آثار وحددوا الوسائل اللازمة لمواجهتها وعلاجها، فان تغير المناخ السياسي العربي يبدو عصياً على الفهم، مجهول الأسباب في الغالب، وغير معروف النتائج، وبالتالي لا أحد يعرف له علاجاً، إن كان هناك أصلاً من يفكر أو يهتم بمثل هذا العلاج، أو بالعلة نفسها وتشخيصها!
بالطبع، هناك من كتبوا كثيراً وتكلموا أكثر عن أمراض الأمة وعللها المتعددة، لكن معظمهم لا يكتب أو يتكلم إلا لينكأ الجراح ويضاعف الألم ويزيد المسافة أكثر فأكثر بين الداء والدواء، إمعاناً في القسوة وتأبيداً للعلة.
أما المعالجون المفترضون من أهل السياسة والسلطة، فأغلبهم غائب عن الوعي السياسي أو مغيب بين خبراء مزيفين ومستشارين عاجزين أو مخترَقين وبطانة فاسدة مفسدة، وتبقى الشعوب وحدها تعاني من العلة والمرض، بينما يبقى التشخيص السليم والحصول على العلاج المناسب.. مجرد أمل لا أحد يدري كم سيطول!