يعد التخطيط للتعليم ووضع الاستراتيجيات التي تستشرف المستقبل وتعمل على تحسين بيئة التعلم والاستجابة لمتطلبات الواقع المتغير شأنا عاما، لا تخلو منه بقعة من بقاع الأرض، خاصة في هذا العصر الذي تسيطر عليه توجهات العولمة والاقتصاد العالمي الجديد.

وتعدّ قضية اختيار لغة التعليم من أكثر القضايا التي تدور حولها النقاشات في كثير من دول العالم في الوقت الراهن، ويبدو واضحا للمتأمل أنّ الحياة المعاصرة بإفرازاتها الكثيرة ومتطلباتها المتغيرة تضغط ضغطا قويا على العاملين في مجال التربية والتعليم بحيث أصبح الكثير من القرارات التي تتخذ، أو السياسات التي تعتمد خاضعة لأبعاد سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية قبل أن ينظر إليها من زاوية البعد التربوي التعليمي الخالص.

وتشير كثير من الدراسات التي تتناول قضايا اللغة والتعليم، أو اللغة والهوية، أو أولوية اللغة الأم على اللغة الثانية إلى أنّ هناك تغيرا كبيرا في نظرة الناس إلى اللغة؛ إذ تشير مونيكا هيلر في بحثها «العولمة والاقتصاد الجديد وملاءمة اللغة والهوية» إلى «أن هناك تحولا ملحوظا في المجتمع الفرانكفوني في كندا من النظر إلى اللغة على أنها علامة دالة على الهوية، إلى النظر إليها على أنها سلعة تسويقية تخضع لمعايير التسويق العالمية».

فاللغة انفصلت عن كونها عاملا مهما من عوامل تحديد هوية المجتمع، وعنصرا أساسيا من عناصر تماسكه وتميزه وارتباطه بتراثه وتاريخه الخاص، وأصبحت أداة من أدوات التمكن في السوق، ووسيلة من وسائل النجاح في عصر ثورة المعلومات والاقتصاد العالمي الجديد.

وعلى الرغم من الضغط الشديد الذي تمارسه متطلبات العولمة والاقتصاد الجديد، إلا أنّ كثيرا من المجتمعات ما زالت تضع لغتها الأم موضعها الذي تستحق، أو تحاول جاهدة أن تفسح للغة مساحة جيدة في التعليم بحيث لا يطغى العامل السياسي أو الاقتصادي على العامل التربوي، ولا تجور اللغة الثانية على اللغة الأم المرتبطة بالهوية والأرض. وهناك دراسات تطبيقية أثبتت أنّ فرض اللغة الثانية على التعليم، خاصة في مراحله الأولى لا يصب في مصلحة المتعلم، ولا يعمق معرفته العلمية في المادة، ولا يحقق تفاعلا قويا في البيئة التعليمية بين المعلم والمتعلم.

ولعل تجربة الكاميرون تعد مثالا جيدا على ذلك، فعلى الرغم من أنّ اللغة الرسمية فيها هي الإنجليزية أو الفرنسية، وهما لغتا التعليم الرسمية، وعلى الرغم من أنّ اللغات الوطنية فيها متعددة بتعدد القبائل. إلا أنّهم نجحوا في تطبيق مشروع للتعليم باللغات الوطنية، واختاروا لذلك لغات ثلاث هي: لغة الكيمو، والنسو، والبوفت. فكان التعليم في بعض المدارس بإحدى هذه اللغات، مع ضرورة تعلم الإنجليزية أو الفرنسية لغة ثانية.

وقد أجريت دراسات تطبيقية لملاحظة الفروق في الأداء والنتائج بين هذه المدارس والمدارس التي تجعل الإنجليزية لغة التعليم. واعتمدت الدراسات على الملاحظة المباشرة في الصفوف، وعلى التحدث مع التلاميذ، وعلى إجراء الاختبارات. وسأذكر جانبا من النتائج التي وردت في بحث بعنوان «اختيار اللغة، والتعليم، وهوية المجتمع» للباحثة باربرا ترودل.

أظهرت الدراسات، من خلال الملاحظة المباشرة ومتابعة التلاميذ في تفاعلهم مع المعلم في الفصل، أنّ الأطفال في التعليم الأساسي من الصف الأول إلى الثالث يحققون فهما غير مكتمل للمادة العلمية، وأنّ عملهم يقوم في معظمه على التخمين والتردد، وأنهم يبدأون بإظهار فهمهم وسيطرتهم على المادة في أواخر الصف الرابع أو بداية الصف الخامس.

وهذا مرده إلى أنهم يصرفون معظم جهدهم على فهم لغة التعليم وليس على فهم مادة التعليم، وعليه فإن التطور في المادة العلمية يكون ضئيلا جدا. فالسنوات الأولى تصرف في الحقيقة لتعلم الإنجليزية وليس لتعلم العلوم أو الرياضيات تعلما تاما مستقلا.

فأكثر الجهد يصرف لتعلم معاني الكلمات ودلالات التراكيب في الإنجليزية، وفي المقابل فإن المفاهيم العميقة للمادة العلمية يتم تجاهلها أو تجاوزها. وفي المقابل فإن الصفوف التي تدرس باللغة الأم أظهرت تفاعلا كبيرا مع المادة العلمية، واستثمارا جيدا للوقت الذي يضيع معظمه في الصفوف التي تدرس باللغة الإنجليزية لشرح معاني المفردات للتلاميذ، كما أنّ ظاهرة تكرار العبارات والكلمات التي لوحظت في صفوف الإنجليزية حل محلها تفاعل متبادل بين التلاميذ والمعلم حول المادة العلمية.

وأثر آخر للتعليم باللغة الأم أنه يعزز الاتصال الصفي بين المعلم والمتعلمين، فقد لاحظ الباحثون أنّ هناك اتصالا ثنائي الاتجاه في هذه الصفوف من المعلم إلى التلاميذ، ومن التلاميذ إلى المعلم، حتى في الصف الأول، فأسئلة التلاميذ، وتعليقاتهم، وضحكهم، تعد ظاهرة مألوفة، كما أنهم كثيرا ما يتحدثون عن خبراتهم الشخصية المرتبطة بمادة الدرس. أما في الصفوف التي تعلم باللغة الإنجليزية فالاتصال وحيد الاتجاه من المعلم إلى التلاميذ، والتلاميذ لا يميلون إلى التحدث إلا في حال وجّه إليهم المعلم سؤالا.

وقد بيّنت هذه الدراسات أنّ نظام التعليم القائم على اللغة الإنجليزية يحدّ أو يمنع من تنمية مهارات التفكير الإبداعي في الصفوف الأولى؛ فتنمية هذه المهارة تعتمد على قدرة المتعلم على التفكير والتحدث بطلاقة بلغة التعليم. الطلاقة في اللغة شرط لتنمية مهارات التفكير العليا، فإذا كان حظ المتعلم من اللغة لا يسعفه على استيعاب المفاهيم الأساسية في المواد العلمية إلا بعد إهدار كبير للجهد والوقت فكيف سيسعفه على أن يتجاوز بتفكيره المستويات الدنيا إلى المستويات العليا؟

فالتلاميذ يظهرون قدرة جيدة على حفظ المعلومات وتذكرها، ويستطيعون أن يعيدوا للمعلم ما قد شرحه من قبل. أما أن يتجاوزوا هذه المرحلة إلى مرحلة التفكير الإبداعي فيما يتصل بالمادة فإنّ هذا يتطلب سيطرة جيدة على اللغة.

وهذا شيء مفقود في الصفوف التي تدرس باللغة الإنجليزية. ففي مثل هذه الصفوف رفع المعلم رسمة لحمامة في مرحلة التهيئة الحافزة من الحصة، وقال «هذا طائر»، فردد التلاميذ وراءه «هذا طائر». أما في الصفوف التي تدرس باللغة الأم فما كاد المعلم يرفع الرسمة حتى بادره التلاميذ بقولهم «هذه حمامة»، ثم أخذوا يتحدثون عما يعرفونه عن الحمام، والطيور، وما أنواع الطيور التي يربونها في بيتهم، وما الفرق بين الحمام والدجاج..الخ. يقول المعلم «كنت تستطيع أن تؤلف كتابا صغيرا من كل المعلومات التي أخبروني بها».

ومن أهم ما أظهرته الدراسة أنّ نظام التعليم باللغة الإنجليزية يستغل قوته استغلالا يؤذي هوية الطفل؛ فما يأتي به الطفل إلى المدرسة من تراثه وبيته ولغته له قيمة ضئيلة جدا في هذا النظام التعليمي، وليست له مساحة توازي أهميته وقيمته الحقيقية، فالمعلمون في هذا النظام يظهرون كأنهم حرّاس يحمون اللغة الإنجليزية.

ويمنعون التلاميذ من التواصل معهم بلغتهم الأم. مما يؤدي إلى تراجع شديد في كل ما يمتلكه التلميذ من قيم وتراث أتى به من بيئة المنزل. وهذا يؤدي بدوره إلى تهميش أثر الأسرة والبيت على تشكيل وعي التلميذ، ويمنح النظام التعليمي والمعلمين قوة أكبر للتأثير في فكر التلميذ وتوجهاته.

إنّ كثيرا من التربويين في جمهورية الكاميرون يناضلون بشجاعة لمنح لغتهم الأم حضورا قويا في نظام التعليم، لأنهم رأوا رأي العين ما يفعله نظام التعليم الرسمي عندهم في أبنائهم، وما يصبه في قلوبهم وعقولهم من اتجاهات تبعدهم عن لغة أرضهم وأهلهم وتراثهم.

إنهم يرفعون شعار «لا شيء يعرّفك كاللغة». ومع ذلك فإنّ هؤلاء لا ينحون اللغة الثانية ولا يقللون من أهميتها، ولكنهم لا ينظرون إليها على أنها البوابة السحرية التي ستدخلهم إلى عالم الأحلام، وستحقق لهم المعجزات. إنها تجربة جديرة بالتأمل والتقدير حقا.

جامعة الإمارات

Ltfibrahim@yahoo.com