تجمع القيادات السياسية في لبنان على وصف الوضع السياسي في البلاد بالهش، فيما السؤال الذي يطرح ذاته بقوة وبإلحاح يومي هو: أية لعبة يمارسها اللاعبون الأساسيون، وما الذي يمكن أن يحصل إذا لم يتفق اللبنانيون على رئيس جديد للجمهورية من الآن وحتى الخامس والعشرين من نوفمبر المقبل؟
يمكن الجزم أن كلا من الأكثرية المتمثلة بقوى«14 آذار» بتنوعها الطائفي ومن خلفها ومن أمامها رئاسة الحكومة ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة، والمعارضة المتمثلة بتحالف «حزب الله» والتيار الوطني الحر برئاسة العماد ميشال عون، ومن أمامها ومن خلفها رئاسة مجلس النواب ورئيس مجلس النواب نبيه بري، يدرسان حاليا مكامن القوة والضعف في الأوراق التي بين أيدي كل فريق منهما ويرسمان خططهما ومواقفهما آخذين في الاعتبار مواقف جميع الأطراف الداخلية وتطور المواقف لجميع القوى الخارجية المؤثرة في الحالة اللبنانية.
ولذلك فإن اللعبة تعتبر مملة بالنسبة لمعظم اللبنانيين الذين عاشوا وعايشوا أكثر من مرحلة مماثلة، وخبروا مثل هذا الاصطفاف السياسي ـ الطائفي في الصراع على رئاسة الجمهورية، وهم - اللبنانيون- يرون أنه من الخطأ الركون، في حكمهم على مسار التطورات إلى التصريحات والمواقف السياسية اليومية التي يطلقها الفرقاء، لأنها لا تنتمي إلى القرار النهائي الذي من شأنه أن يرجح كفة فريق على الآخر، أو مرشح للرئاسة على آخر، بل هي أشبه ما تكون بتداولات العرض والطلب التي تحكم البورصة المالية للأسهم والعملات.
ولذلك فإن سوق العرض والطلب في البورصة السياسية شهدت نشاطا ملحوظا مع مطلع الأسبوع الحالي، وهي مرشحة لمزيد من التفاعل واستدراج العروض في الأيام المقبلة وكلما اقترب لبنان عمليا من موعد الاستحقاق الرئاسي بدأ المرشحون الجديون للرئاسة بالإعلان عن أنفسهم جهارا، وها هو النائب بطرس حرب يعلن ترشيح نفسه رسميا في مؤتمر صحافي، فيما النائب روبير غانم يعلن أن برنامج ترشيحه للعام 2004 مازال ساري المفعول، والنائب السابق نسيب لحود يعلن أنه بدأ في إعداد برنامجه الانتخابي الرئاسي.
وإذا كانت الأسماء الثلاثة الوارد ذكرها أعلاه محسوبة على خانة قوى الأكثرية التي سبق لها أن أعلنت في أكثر من مناسبة أنها ستسمي مرشحاً واحداً للرئاسة، فإن إعلان هؤلاء عن ترشيح أنفسهم يدخل ضمن تكتيكات قوى « 14 آذار» لخوض الاستحقاق وتتمثل بتظهير كم من المرشحين بهدف عدم الكشف عن أوراقها كاملة أمام المعارضة، ريثما تكون قياداتها قد توافقت على اسم المرشح، وبالفعل فإن قادة الأكثرية المسيحية عقدوا اجتماعا قبل يومين في منزل قائد القوات اللبنانية سمير جعجع وناقشوا الشأن الرئاسي، وتشير المعلومات إلى أنهم اتفقوا على اسم المرشح الذي يرجح أن يكون نسيب لحود.
في المقابل فإن تكتيكات المعارضة لا تختلف كثيرا في الشكل وإن اختلفت في المضمون، ذلك أن بورصة المرشحين تبدو إلى اتساع مع تحرك رئيس مجلس النواب نبيه بري بعد استقباله أخيرا عددا من المرشحين للرئاسة اللبنانية، إذ تشير المعلومات إلى أن رئيس المجلس يطرح أسماء أربعة مرشحين في التداول، يأتي في مقدمتها اسم النائب والوزير السابق جان عبيد.
وعلى الرغم من الكلام الإيجابي الذي رافق تحرك الرئيس بري، فإنه لم يسلم من الانتقادات التي حملته مسؤولية فتح بازار سياسي حول الاستحقاق الرئاسي هدفه استشعار توجهات الأكثرية واتجاهاتها، فيما يؤكد المقربون منه، دفاعاً، أن طبيعة تحركه ولقاءاته مع مرشحين للرئاسة تأتي من منطلق كونه رئيسا للمجلس النيابي وحكما، إلا أنه عند التصويت سيكون معارضاً بالضرورة.
وفيما يبدو «حزب الله» على موقفه من الإصرار على ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية «ولو تم ذلك قبل نصف ساعة من الانتخابات الرئاسية»، والعماد عون على تلويحه الدائم بحكومة عسكرية إذا لم تحصل الانتخابات، فإن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي «والمرشد الروحي» لقوى «14 آذار» النائب وليد جنبلاط ينادي في معرض حملته المستمرة على بري، بعدم الركون إلى «التحرك الديمقراطي ظاهريا» لرئيس المجلس لأن القرار المؤثر والكلمة الفصل ستبقى في النهاية لأمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله.
ولذلك فإن اللبنانيين الذين خبروا المراحل المشابهة يقولون بعدم الأخذ بالكلام اليومي الذي يطلق يمينا ويساراً والذي يصب في خانة البورصة السياسية للاستحقاق الرئاسي، والذي تنخفض وفقا له أسهم التصعيد السياسي والأمني أو ترتفع، وهم يشبهون ما يمر به لبنان من ظروف بمرحلة تسلم الرئيس الراحل إلياس سركيس مهامه الدستورية كرئيس منتخب للجمهورية في 23 سبتمبر 1976، والذي تم في فندق الكارلتون تحت قصف المدافع، على الرغم من أن انتخابه تم استباقا لبدء المهلة الدستورية في 8 مايو 1976، خوفا من استحالة إتمام الانتخابات خلال الفترة الدستورية.
كما يشبهون، أحيانا، الظروف الراهنة بمرحلة انتخاب الرئيس الراحل رينيه معوض الذي تم بعيدا عن العاصمة بيروت في مطار القليعات العسكري في شمال لبنان بعد اتفاق الطائف مباشرة في 5 نوفمبر1989، ليتم اغتياله بعد 17 يوما على انتخابه في 22 نوفمبر أي في يوم ذكرى استقلال لبنان، وليتم بعد ذلك بيومين فقط انتخاب الرئيس الراحل الياس الهراوي في منطقة شتورة البقاعية، ولتكون كل هذه التطورات الدراماتيكية قد حصلت ضمن المهلة الدستورية الرئاسية.
وربما تكون كل هذه الذكريات بمرارتها، الأمر الذي حمل البطريرك الماروني الكاردينال نصر الله صفير على الإعلان قبل يومين، وبشكل مفاجئ للجميع، أنه ضد تعديل الدستور اللبناني في المبدأ «أما إذا اقتضت المصلحة الوطنية ذلك فلا مانع» عنده في التعديل، وقد جاء هذا الكلام ليدخل بدوره في تداولات البورصة السياسية.
حيث سارعت قوى الأكثرية إلى التأكيد على موقفها المضاد للتعديل، فيما حاولت المعارضة تفسيره على خلفية عدم معارضة البطريرك صفير لترشيح كل من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وقائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان نفسيهما للرئاسة، كونهما موظفين يشترط الدستور استقالتهما من منصبيهما لقبول ترشيحهما، أما المقربون العارفون بالمبادئ التي يسير البطريرك صفير على هديها في مواقفه الوطنية.
فيعتبرون أن موقفه الأخير من تعديل الدستور يشكل ضغطا على كل من المعارضة والأكثرية حتى تتوصلا إلى تسوية تخرج البلاد من أزمتها السياسية، أو تفتح الأبواب أمام خيارات بديلة لخياراتهما، لأنه يعتبر أن إجراء انتخابات ديمقراطية تأتي بأي رئيس يحكمه نهج المؤسسات الدستورية في حكمه وأحكامه، هو خطوة من شأنها أن تنقذ لبنان وتجنبه المصير المجهول والدخول في نفق مظلم.
كاتب لبناني
