كان ذلك في منتصف العام 1997. كنت أشاهد عرضاً لمجموعة من الأفلام الوثائقية القصيرة في مركز كيندي للفنون بواشنطن. في أحد الأفلام من جنوب أفريقيا، تحدثت فتاة صغيرة من قرية قصية في بلادها عن أحلامها. وكانت دبي واحدة من أحلامها.

تمنت أن تزور دبي، تلك المدينة الحلم حتى لفتاة صغيرة في قرية بعيدة بجنوب أفريقيا. أعترف أنني كمواطن من هذه المنطقة شعرت بالزهو أن مدينة عربية تأخذ موقعها على خريطة الحلم الإنساني العالمي، تصبح حلماً لآلاف المبدعين والباحثين عن فرص للإبداع والنجاح. ومن يدري فلعل تلك الفتاة الافريقية الصغيرة تدير الآن محلاً أو شركة أو تعمل في إحدى الشركات العالمية في دبي.

أعرف أن البعض من أهلنا في دبي ربما ذكرّني بأن لكل تطور لكل حركة أحياناً ثمناً ربما يجئ غالياً، وأؤمن أن «النقد» ورؤية الأحداث بعين ناقدة تأتي مطلباً حثيثاً للنمو والتقدم. وأدرك أن القصور يأتي جزءاً من أي تجربة إنسانية في الشرق كانت أو في الغرب، ومن يقرأ ما أكتب، في الصحافة العربية أو خارجها، سيعرف أنني آخر من يميل إلى لغة «المديح» أو خطاب «النفاق» الممجوج الذي أعده أحد أسباب التخلف العربي.

باختصار، لا أقصد هنا أن أمدح دبي لمجرد المديح ولا الإطراء بهدف التملق أو المجاراة لكنني وأنا أعيش في دبي لأكثر من سنتين ونصف، أثق أن من حقي أن أكتب عن دبي (وكثيراً ما كتبت عنها خارج دبي) لأنني - بأمانة - أعتقد أن دبي أثبتت لنا أولاً وللعالم كله أن منطقتنا العربية يمكن أن تصنع لأبنائها أمل كبير في مستقبل أفضل.

إن الأخبار القادمة من دبي اليوم هي وحدها الأخبار الإيجابية في عالمنا العربي المنشغل بحروب الإخوة وصراعات الأحزاب والعيش في ظلمة الماضي وثاراته. العالم العربي اليوم ر بكل أسف - مازال يصدر أخبار الحزن والدمار والحروب وينتج أفكاراً مفخخة بالتكفير والإقصاء والبؤس.

وحدها دبي تفتح نوافذ الأمل في مستقبل مختلف أمام الآلاف من أبناء منطقتنا ومن خارجها. ولهذا يأتي استيعاب هذه المكانة التي أسستها دبي بجدارة خطوة أولى في التعامل مع تحديات المستقبل القريب والبعيد. والأسئلة التي يتداولها البعض في السر أو في المجالس الخاصة يجب أن تطرح في العلن وتواجه في العلن لأن دبي فعلاً يجب أن تثق أن لديها كل أسباب التفوق، هناك قضايا وطنية أو محلية لأهل دبي لن يسيء لدبي بأي شكل أن تناقش في العلن سواء في الإعلام المحلي أو خارجه.

وهل هناك أي مجتمع إنساني ليس عنده هموم أو قضايا اجتماعية أو سياسية فيها بعض الإشكالات أو تستدعي حواراً حقيقياً وفي العلن؟ كثيراً ما التقي بزملاء من الصحافة الغربية وغيرها يأتون إلى دبي منبهرين بهذا النمو المبهر وبهذا الوهج الذي تعكسه الحركة الاقتصادية والسياحية الكبيرة لكن الملاحظة المكررة هي قلة من يتحدث لوسائل الإعلام الغربية من أهل دبي.

هل لأن المؤهلين للتعامل مع الصحافة الأجنبية منشغلين بما يرونه أهم؟ أم أن موقفهم يعكس ثقة في أن الواقع وحده هو الشاهد الحي على ما تحقق لدبي في سنوات قليلة؟ أم أن هناك حساسية ( قد تكون وهمية) من التعامل مع الإعلام الدولي خاصة في شؤون قد تبدو فيها إشكالية؟ هذا خطأ.

يجب أن يكون التواصل الإيجابي مع الصحافة الدولية من أهم أولويات دبي، ومن المهم جداً أن يأتي التعامل مع الصحافة الدولية ليس في سياق «التسويق» لمشروع تجاري، كما تفعل شركات العقار، ولا بلغة شركات العلاقات العامة التي تروج لسلعة ما فهذا النوع من الإعلام (التسويقي) لم تعد دبي في حاجته .

كما كانت من قبل بل إنها الآن أصبحت رائدة فيه والدليل هو في حضور دبي الإعلاني المكثف على مستوى العالم كله، القصد هنا هو إعلام مختلف، إعلام يتناول مسائل المستقبل والظروف السياسية والاجتماعية لإمارة دبي (ودولة الإمارات عموماً)، تواصل واثق قوامه الجرأة والتعامل العقلاني مع حقائق الإمارة واحتمالات المستقبل وقضايا المنطقة كلها.

هذا النوع من التواصل لابد أن يبادر إليه المثقفون والكتاب والمسؤولون بكل ثقة خاصة وأن العيون الآن تتجه إلى دبي كونها عملياً تحدت الحقائق المخيفة على مستوى المنطقة العربية ونجحت في خلق مكانة خاصة جعلتها فعلاً عاصمة الإبداع في العالم العربي ووحدت الشباب العربي بشكل لم يتحقق في أي مدينة عربية أخرى. أنظر إلى كثير من الشركات التي تأسست في دبي على مدى عشر سنوات وستجد أن أكثرها قام على شراكات بين شباب عرب جمعتهم الأهداف والخبرات والتأهيل ووجدوا فسحة للإبداع والإنتاج والنجاح.

هناك ألف قصة نجاح في دبي تعكس وجهاً إنسانياً وحضارياً لهذه الإمارة الرائدة لكن من غير المعقول أن تختزل دبي فقط في حراكها الاقتصادي والسياحي المبهر. دبي، وضمن منظومة سياسة دولة الإمارات تجاه الشأن الخارجي، حققت مكانة «معنوية» ليس فقط في منطقة الخليج ولكن على مستوى العالم العربي كله.

وكونها الآن مضرباً للمثل على النجاح الاقتصادي والانفتاح الخلاق على العالم لابد أن يفرض على الآخرين - في المنطقة أو خارجها - رؤية خاصة لدبي ليس فقط كنموذج للبناء والتنمية ولكن أيضاً كلاعب مهم في صناعة «الحل» لكثير من أزمات المنطقة الاقتصادية ومثال حي على تجاوز كثير من عقبات البيروقراطية والفساد الإداري والمالي.

كاتب سعودي مقيم في دبي

hattlan@post.harvard.edu