تعيش معظم مناطق غزة، منذ ثلاثة أيام من دون كهرباء، ليلها تحوّل إلى ظلام دامس بعد انقطاع التيار، بسبب توقف محطة التوليد، التي انقطع تزويدها بالوقود، الاتحاد الأوروبي الذي دأب على تمويل إمداداتها، رفض مواصلة تسديد الفاتورة بحجة أن حركة حماس تقوم بجباية قيمة الضريبة المضافة على الكهرباء، في القطاع، والشركة التي تقوم بإدارة محطة التوليد نفت أن تكون أموال رسوم الكهرباء تجد طريقها إلى حكومة «حماس»، بل هي أبدت استغرابها من موقف الاتحاد الأوروبي.
كما حذرت من أن الأزمة مرشحة للتفاقم، إذا ما بقيت الأمور على حالها، فاستمرار انقطاع التيار ستكون له تداعيات قاسية على حياة الناس؛ كما على المرافق الحيوية من مستشفيات وغيرها، والاتحاد يزعم ان تحصيل الضريبة يمثل نوعاً من التمويل المباشر «لحماس»؛ عن طريق المساعدة التي يقدمها بشكل وقود لتشغيل المحطة، وذلك لا يتفق مع سياسته القاضية بوقف توفير الدعم المالي للحركة.
كيفما كانت الحال، فإن القرار الأوروبي ليس بريئاً من الحسابات السياسية، فهو يصبّ في شدّ براغي آلية خنق القطاع، وهنا يبدو الأمر مثيراً للتوقف والتساؤل، ذلك أنه يستهدف مليون ونصف غزاوي قبل أن يستهدف «حماس» وحكومتها، قطع التيار يطالبهم مباشرة مع عيالهم، من لقمة العيش، إلى باب الرزق، إلى علاج المرضى، والجانب الإنساني هنا صارخ ويستدعي إطلاق الصرخة، والمضاعفات وخيمة لمثل هذا العقاب الجماعي؛ إذا لم يتم تداركها.
لكن بقدر ما، هذه الخطوة فجة وقاسية بقدر ما تحمل على طرح التساؤل التالي: هل كان لغزة أن تقع في الظلام لولا الظلم الذي ألحقته الساحة الفلسطينية وأوقعته بنفسها قبل أشهر قليلة؟، ألم يسهل انشطار هذه الساحة واشتباكها مع حالها، عملية التمادي في استباحتها والاستفراد بها؟، كان المشهد مفجعاً أن تندلع حرب التراشق بالاتهامات، على أشدها؛ بين الأطراف الفلسطينية؛ في أعقاب انقطاع التيار عن غزة.
والمفجع أكثر أن مثل هذه الأجواء تشير إلى غياب الاستعداد للاستدراك؛ لدى الجهتين، خاصة وأن حصيلة الصراعات الفلسطينية تنطق بوضوح، آخرها قطع الكهرباء، والحبل على الجرار، والإصرار على سياسة الخنق وتعميق الشرخ داخل البيت الفلسطيني لا يحتاج إلى دليل، ترجمته تحصل على دفعات، وقد قطعت شوطاً بعيداً، والمؤسف أن الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية كانت المساعد الأكبر لنجاحها.
لقد تعامل الوضع الفلسطيني مع ظروفه وتحدياته، خلافاً للبديهيات فبقدر ما كانت تشتد عدوانية إسرائيل ضده، بقدر ما كانت تتفكك حلقات تماسكه، بل كان يجري التمادي والإمعان في تفكيكها من الداخل، وبقدر ما كانت محاولات الإيقاع بين القوى الفلسطينية تحتدم، بقدر ما كانت هذه الأخيرة تمارس بما يبدو وكأنه وقوع في الفخ، بل صارت مدمنة على مثل هذا الوقوع؛ وإلى الحد الذي صار معه قطع التيار الكهربائي عن أكثر من مليون فلسطيني وكأنه إجراء عادي!
