في القنوات الفضائية حروب تغذي الخلافات، وأحياناً تخترعها، والمشاهد المتجددة في قضايا العراق ولبنان، وتشابه الظروف التي جعلت البلدين في قائمة الأحداث الحادة، ومعها فلسطين تجعلنا نستغرب كيف يظهر محللون ومفكرون على جانب كبير من الموضوعية وتحليل القضايا بعقول مفتوحة، ثم يظهر الوجه الآخر لهؤلاء عندما نراهم أكثر تطرفاً من الواجهات السياسية، وهنا يأتي الخلاف بين من بنوا حضارات عظمى تجمّل العقوبات على اعتبار استقلالية الفكر، فوق قوانين القهر، وبين من نطالعهم بأكثر من وجه وقضية..
كيف ينادي هؤلاء بوحدة الوطن، والارتهان إلى الدستور وتحرير الإنسان، وهم جزء من قوى مناهضة لهذا السلوك، وضد كل ما يتعلق بوطن خال من العصبية والفئوية والانتماءات المختلفة وبهويات تريد سرقة الوطن وبيعه في سوق النخاسة؟..
لا أدري إذا كنا سلالة شعراء المديح الذين يخلع عليهم الخليفة حلَّته، ويمنحه مائة ألف دينار، أو الهجائين الذين تسببوا في مذابح القبائل وإثارة النعرات حتى في عصر الدولة الراشدة، أو ما بعدها، وحتى لا نظلم المسيرة العربية، هناك من دفع حياته، وملاحقة أسرته في الزمن البعيد أو عصر الانقلابات وقتل الحريات والتصفيات الجسدية والقهر، فكان شهيد موقف ومبدأ..
نعود إلى مثقفي العراق ولبنان وفلسطين، وهم الواجهات المتحدثة، بشكل مستمر عن هموم وطنهم، وعندما نحصر هذه الفئة، لا يعني طهارة الآخرين، لكن هؤلاء هم من يقفون وسط المعركة بناء على حالة أوطانهم وتعدد حالات اليأس التام من الإصلاح السياسي، نتيجة نقص الحريات والقيادات التي تستحق أن توضع أسماؤها في التاريخ البشري..
المشروع الوطني لا يؤخذ سلفة من دولة، أو منحة من حزب، وإنما يأتي من ثقافة وقناعة مجتمع يرقى بسلوكه وعقله على كل العقبات، ويتجاوز حدود المصالح الصغيرة إلى الاستراتيجية الشاملة في بناء الوطن، والحيرة الأكبر كيف أصبح لبنان بمخزونه التاريخي وصلاته العالمية، وتعدد مساراته عندما شيّد أول مجتمع ديمقراطي، أن يقع ضحية الولاءات لفرنسا ضد العروبة، لتتسع الدائرة فيتحول إلى خليط من مذاهب وأديان، وبقيادة الصفوة الأوستقراطية للثقافة والفكر؟.
ثم تأتي محنة العراق الذي تحوّل إلى رهن لصراع إيراني، أمريكي، ولتظل القوى الفاعلة، إما تابعة، أو متحاربة بما فيها العقول الكبرى في الفكر السياسي والاجتماعي والمؤسسات الأمنية والعسكرية، لنرى المأساة كيف أصبح الوشم على الأذرع والسيقان، علامات لأي إنسان تقتله سيارة مفخخة، أو بندقية تتبع الإمام، أو الملا، أو شيخ العشيرة لتتعرف عليه عائلته، وقد كان الوسم علامة توضع على الحيوانات فقط، ليتساوى الإنسان مع تلك المملكة التي يقودها الرعاة..
الفلسطينيون، خرجوا من خندق المواجهة مع إسرائيل، وهم الذين لهم الأسبقية في الوعي وممارسة النضال عندما حوَّلوا الحجر إلى قنبلة، إلى المواجهة مع بعضهم، ولا ندري كيف لوطن يحاصر بوسائل الدمار بما فيها حوائط العزل العنصري، تنقسم أسرته إلى فتحاوي، وحمساوي، حتى أن الإسرائيليين والبريطانيين رأوا هذا الانقسام خطيراً على مجمل الأمن في المنطقة، ويذهبون إلى خطر استثمار هذه الخلافات، لكن أصحاب القضية هم من يرفعون سقف الخلافات إلى بعدها الأكبر بالتخوين والعمالة، وتلك هي مشكلة العقل الواعي الذي يمتهن الخطأ القاتل..
