الزيارة التي يقوم بها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لسوريا خطوة يمكن لها - اذا استكملت بخطوات أخرى- أن توجد مخرجا أكثر جدوى للعراق من غيرها من الخطوات المتعثرة والحملات الاعلامية النابية والدعوات الاستفزازية، فالزيارة تأتي بعد عشرة أيام من زيارة مماثلة لإيران وتركيا، أي أنها جاءت ضمن خطة مدروسة للتباحث مع مثلث الجوار العراقي الأكثر تأثرا وتأثيرا بما يحدث على أرض العراق.

تحرك المالكي جاء متأخرا جدا، واعترافه بحقائق السياسة والجغرافيا الاقليمية لم يكن أسرع من جولته المكوكية هذه، فالرهان على الدور الأمريكي في عزل جيران العراق عما يدور بداخله- اذا ما استثنينا تركيا - أثبتت الوقائع على الأرض فشله حتى جلست واشنطن على مائدة واحدة مع دمشق وطهران لمحاولة حلحلة الازمة العراقية الملتهبة، واعترفت الادارة الأميركية بخطأ استراتيجيتها منذ أول يوم تم فيه اتخاذ قرار غزو العراق، وهو ما أكدته لجنة بيكر- هاملتون ودعت ادارة بوش لمراجعة موقفها بشأنه، وبالذات موقفها من هذين البلدين الجارين للعراق.

واذا كانت التهديدات الأميركية والعداء السافر لسوريا وإيران توحد مواقف البلدين تجاه السياسة الأميركية في المنطقة، فإن المخاوف من تعاظم الدور الكردي لدرجة قيام كيان مستقل شمال العراق توحد مواقف البلدان الثلاثة (سوريا، إيران، تركيا)، تجاه العراق، وهو ما يتطلب من حكومة المالكي التعامل معه بحكمة.

العراق «بلد مدمر» باعتراف وزير ماليته بيان جبر صولاغ ويحتاج إلى ما لا يقل عن 150 مليار دولار لاعادة بناء البنية التحتية بعد أربع سنوات من العنف وحالة الافتقار للقانون. وهو بلد «شعب مهجر» تستضيف سوريا وحدها أكثر من مليون مواطن من أبنائه، وانطلاقا من هذا أليس حريا بحكومة هذا البلد التعاون مع جيرانها أكثر من استعدائهم؟ واستغلال نفوذها لتقريب وجهات نظر جيرانها مع الحكومة الأميركية خدمة لاستقرار وإعمار العراق.

زيارة المالكي لكل من إيران وتركيا بدت نتائجها في السماح، أو السكوت على عمليات تمت من جانب البلدين ضد المتمردين الاكراد في الشمال العراقي، أي أن ذلك كان ثمن صفقة ما تمت مع الحكومة العراقية، وبدون شك لن تمر زيارة المالكي لدمشق دون إبرام صفقات مماثلة ستكون لصالح العراق أكثر من سوريا التي لا تواجه أخطار تمرد كردي قائم مثلما هي الحال مع تركيا وإيران.

وان كان هناك من ملف سينال حظا أوفر في جدول أعمال المالكي فهو ملف عبور المسلحين الذي ترفع واشنطن لواء اتهامه لسوريا، وهو الملف الذي تحدث عنه فاروق الشرع بالقول انه «بمقدار ما يتمكن المالكي من التعبير بصدق عن موقف عراقي يؤدي إلى مصالحة شاملة ووضع جدول زمني لإخراج القوات الأميركية، سيجد ان سوريا قريبة جدا للتعاون مع العراق في كل المجالات».