مرت ستون عاماً على الجلاء البريطاني عن شبه القارة الهندية بعد احتلال طويل لمنطقة استراتيجية بالغة الأهمية كانت تمثل ما أطلق عليه المستعمرون «جوهرة التاج البريطاني».ولم يكن تسليم الاستعمار البريطاني باستقلال شبه القارة الهندية إلا نتيجة ضغط النضال الطويل الذي كانت آخر حلقاته حملة العصيان المدني السلمية بقيادة الزعيم الهندي الروحي «المهاتما غاندي».

لكن الاستقلال الذي مثل احد أهم الأماني القومية للشعوب الهندية لم يكن نهاية التحديات والمتاعب لشبه القارة المتعددة الأديان والقوميات، مع ما ينشأ في ظل هذا التعدد من نزاعات دينية أو عرقية.

وقد سبق إعلان الاستقلال ما يمكن تسميته بالمسألة الإسلامية بحيث واكب إعلان الاستقلال الإعلان أيضاً عن قيام «باكستان الإسلامية» كدولة مستقلة متعددة القوميات واحدة الديانة على أساس ديني، واستقلال الهند كدولة متعددة الأديان والقوميات على أساس ديمقراطي.

ومع الاحتفال بالذكرى الستين لاستقلال الدولتين في منتصف أغسطس عام 1947 وبعد إطلالة سريعة على المسار التاريخي للعقود الستة في البلدين الجارين وبنظرة عامة إلى صورة باكستان وصورة الهند في العام الستين للاستقلال، وجدتني أستعيد التجربة الهندية كلها لأطرح مسألة تحديات ما بعد الاستقلال.

ومدى كفاية الاستقلال السياسي وحده دون الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي للوطن في تحقيق آمال المواطن في الحرية والعدالة والمساواة والرفاه، ثم لأطرح سؤالاً يلح بشدة عما إذا كان ما تحقق من أهداف وآمال للشعب الباكستاني وللشعوب الهندية بالانقسام أولاً على أساس ديني بقيام باكستان، ثم بانقسام باكستان ثانياً على أساس قومي بقيام بنجلاديش، إشارة نجاح لقيام الدول على الأسس الدينية أو القومية أم إشارة بعكس ذلك تستدعى المراجعة؟

وهل تنفي تلك النتائج استمرار العامل الديني والعامل القومي كمحركين رئيسيين لحركة التاريخ حتى الآن في عصر العولمة؟

ثم إلى أين وصلت الهند بتجربتها الديمقراطية العلمانية في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية؟.. وإلى أين وصلت باكستان بتجربتها الإسلامية الديمقراطية في حل المشاكل العرقية والسياسية؟

وفي محاولة عاجلة للإجابة على هذه الأسئلة على قدر ما هو متاح لي من ضوء أرى وقد أكون مخطئاً:

إن الانفصال أو التقسيم للدول على أساس ديني خالص أو على أساس قومي خالص لا يمثل الحل بل يمثل المشكلة، وإنه في عصر الكيانات الكبرى لا يجب حل المشاكل القومية أو الدينية بالانفصال انزلاقاً إلى تفتيت الكيان الكبير إلى كيانات صغيرة بل بالتوحد على أساس التنوع وبالشراكة الوطنية العادلة في السلطة والثروة بالآليات الديمقراطية التوافقية على قاعدة المواطنة دون استئثار للغالبية أو تهميش للأقلية.

وأنه في عصر تتوحد فيه الدول الأوروبية الكبرى على اختلاف مكوناتها القومية والثقافية في اتحادات أكبر حلاً للتحديات الاقتصادية والاجتماعية ولإحراز المزيد من التقدم الصناعي والتكنولوجي، يكون التعدد على أساس الاختلاف الديني أو العرقي هو سير في الاتجاه المعاكس لحركة التاريخ.

إن ذلك لا يعني بأي حال تجاهل أن الدين والقومية لا يزالان فاعلين ومؤثرين في دفع حركة التاريخ الإنساني، ومن ثم ففي الدولة الديمقراطية الموحدة لا ينبغي تجاهل الحقوق الإنسانية للأقليات في الخصوصية الثقافية والهوية القومية لمكونات المجتمع الوطني الموحد، بل توظيف الاختلاف ليكون أساساً للائتلاف.

إن الغاية من الاستقلال السياسي لأي كيان وطني هو استعادة أرضه وثروته وإرادته لبناء نهضته لصالح شعبه، وما لم تنجح النظم السياسية في بناء النظام العادل للشراكة الوطنية في السلطة والثروة لبناء التنمية الشاملة فإن الاستقلال السياسي يصبح بلا معنى وبلا مضمون.

ومع ملاحظة أن التقسيم لم يحل مشاكل البلدين، فلا تزال فى الهند مشكلة عدالة اقتصادية واجتماعية كبرى رغم ديمقراطية الدولة، ولا تزال في الباكستان مشكلة عدالة سياسية وقومية كبرى رغم إسلامية الدولة.. أجازف بالقول:

ربما لو بقيت شبه القارة الهندية كيانا وطنيا موحدا دون تقسيم ولو بقي المسلمون في شبه القارة في كيان سياسي واحد مع غيرهم من الأديان والقوميات دون انفصال لكانوا غالبية في الدولة الموحدة .

ولكان ذلك عامل قوة أكبر سواء للمسلمين أو لغيرهم من شركاء الوطن الهنود ولكننا أمام كيان يماثل الصين في قوتها وتقدمها، وألا يكون التفكير في إعادة الاتحاد بين البلدين ولو على أساس فيديرالي يمثل حلا لمشكلة «كشمير» وكل مشكلات ما بعد الاستقلال في كلا البلدين الجارين على مدى الستين عاماً الماضية؟.. ربما!

mamdoh77t@hotmail.com