شكلت المناورات العسكرية المشتركة لدول منظمة شانغهاي للتعاون والتي جرت جنوب الأورال فوق الأراضي الروسية، نقطة تحول مفصلية في الصراع الروسي الأميركي المحتدم تحت الرماد المشتعل منذ عقد ونيف من الزمن، فكسرت الخطوة الروسية الأخيرة المجاملات الدبلوماسية الممجوجة بين القطبين الدوليين، وقلبت حسابات الرتابة التي اعتقد بعض المحللين بأنها ستبقى سيدة الموقف بين القوتين الأكبر في الخريطة الدولية، فكان الصيف الحالي الروسي الأميركي صيفاً ساخناً طبيعياً وسياسياً بين موسكو وواشنطن.
فدول منظمة شانغهاي للتعاون المشترك التي تأسست عام 2001 من أجل التعاون الاقتصادي أساساً بعضوية كلاً من روسيا والصين وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية (قرغيزيا، كازاخستان، طاجيكستان، أوزبكستان) باتت الآن منظومة دولية جديدة تتلاقى أساساً على مساحات سياسية قبل أن تتلاقى على مساحات اقتصادية مباشرة، ففي قمتها الأخيرة التي عقدت في بشكيك عاصمة جمهورية قرغيزيا الإسلامية طغى الهم السياسي على أعمال القمة وفي بيانها الختامي وفي تصريحات رؤساء الوفود، ومنها تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد.
ومن اللافت للانتباه المشاركة الصينية الفاعلة ليس في إطار منظمة شانغهاي للتعاون الاقتصادي فقط، بل في المناورات العسكرية حيث شاركت بكين بربع حجم القوات العسكرية التي جرى نقلها من معسكرات الجيش الصيني في نانكين إلى الأورال جنوب روسيا، وهذه من المرات النادرة التي تشارك بها قوات صينية في مناورات مشتركة مع مجموعة من الدول وخارج نطاق الأراضي الصينية.
وبالفعل فان عملية المشاركة الصينية تحمل دلالات ومغازي كبيرة، فالقيادة الصينية التي دأبت خلال عقدين من الزمن على انتهاج سياسة ز «الاعتدال الشديد جداً» في المواضيع الدولية الحساسة انتقلت في خطوتها الأخيرة نحو موقع فاعل بعيداً عن الرتابة التي ميزت القرار السياسي الصيني على الصعيد الدولي خصوصاً مع حضور الرئيس الصيني هوجينتاو ومتابعته للمناورات العسكرية التي جرت في الأورال.
كما تميزت المناورات الأخيرة أيضاً بحضور الرئيس الإيراني أحمدي نجاد واطلاقه سلسلة من التصريحات قبل المناورات العسكرية وبعدها وخلال أعمال قمة بشكيك، الأمر الذي يقودنا للقول بأن الحضور الإيراني والترحيب الذي لاقاه الرئيس نجاد يعبر أيضاً عن رسالة روسية للولايات المتحدة مفادها أن بكين قادرة على توسيع استخدامها لأوراق القوة بين يديها من كوريا الشمالية التي تحتضنها إلى التحالف مع موسكو.
وأن روسيا أيضاً قادرة على تجميع أوراقها وتحالفاتها دولياً خصوصاً مع العملاق الصيني الذي بات يثير الهلع الأميركي من استيقاظه، ومع إيران التي باتت أيضاً في حقيقة الأمر عنواناً دولياً للتباين بين موسكو وواشنطن، وقادرة أيضاً على إيذاء واشنطن والتخريب عليها، والحد من استفرادها بالمصير الدولي كما استفردت في غزو العراق واستفردت في نهب ثروات ما بعد الحرب وقبض فواتير إعادة الاعمار، وفي استفرادها في منطقة الشرق الأوسط في فلسطين ولبنان الواقعة على مقربة من قوس وحدود المصالح التقليدية الاستراتيجية لروسيا.
على كل حال إن الخطوة الروسية في استضافة المناورات العسكرية جنوب الأورال وتحملها الجزء الأكبر من تكاليفها بواقع (80) مليون دولار، سبقتها قفزات تتالت في المواقف والإجراءات الروسية على الأرض في مواجهة سياسة الهيمنة والابتلاع التي تمارسها الولايات المتحدة على النطاق الدولي، فقد استأنفت القاذفات الاستراتيجية الروسية من نوع (تي يو) طلعاتها فوق المياه الدولية وهي الطلعات المتوقفة منذ عام 1992 بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة حلف وارسو، وبدأت بعضها بالقرب من أجواء جزيرة غوام، التي تضم اكبر القواعد العسكرية الأميركية في العالم خارج حدود الولايات المتحدة.
وعليه، إن المناورات العسكرية لمنظومة دول شانغهاي للتعاون خطوة روسية صينية أساساً، فالمناورات التي جرت في الاورال جنوب روسيا شارك بها عدة آلاف من عداد القوات العسكرية نصفها من روسيا وربعها من الصين رسالة إلى واشنطن توافقت عليها منظومة دول شانغهاي، فكانت المسألة أكثر من استعراض للقوة والعضلات بل تأكيداً على حضور وتأثير ودور وحق كلاً من روسيا والصين في المشاركة الفاعلة في القرار الدولي بعيداً عن الهيمنة الأميركية التي بات معها مجلس الأمن ألعوبة بيد الإدارة الأميركية.
فموسكو تستحق من وجهة نظرها مكاناً مؤثراً في القرار الدولي، تحمل حنيناً للأيام الخوالي لروسيا السوفييتية التي كانت تضم سدس مساحات المعمورة، وتسعى في الوقت نفسه لتحديد وتجديد مكانها في عالم مغاير لم تعد تحكمه وتسيره لغة العقل والحكمة والعدل، إنما تسيره لغة «القوة الفائقة» التي أعلنها وأطلقها المحافظون الجدد في الإدارة الأميركية عشية غزو وتدمير العراق بعيداً عن مجلس الأمن الدولي، وهم المجموعة اليمينية الشابة نسبياً المسيطرة على قرارات الكونغرس الأميركي، وذات التوجهات المؤيدة للدولة الإسرائيلية الصهيونية على طول الخط.
وفي هذا السياق، يجمع المراقبون والمتابعون أن أكثر ما يخيف الإدارة الأميركية مما جرى مؤخراً، يتلخص في الدور الصيني القادم والمتعاظم خلال عقد يقترب، كما والتقارب الصيني الروسي الذي بات عاملاً مقلقاً للإدارة الأميركية ومصادر القرار فيها.
وانطلاقاً من المعطى إياه وعلى ضوء توسع مساحات المصالح الروسية الصينية والنمو الاقتصادي المذهل في الصين، من المرجح أن تسير كلاً من بكين وموسكو خطوات متقدمة لإزالة الإرث السلبي السابق وهو ارث متعدد العناوين، ومنها العنوان ذو الطابع الأيديولوجي الذي حكم العلاقات بينهما ابان المرحلة السوفييتية من حياة روسيا، وحل مشكلة الحدود بين منغوليا الصينية وجمهورية منغوليا المتاخمة لروسيا.
كاتب فلسطيني ـ دمشق