تتداول الاوساط المهتمة بشؤون القضية الفلسطينية هذه الايام وثيقة علي درجة كبيرة من الاهمية، تحمل اسم خطوتان دفعة واحدة اعدها تيري رود لارسون مبعوث الامم المتحدة السابق في المنطقة العربية، وتطرح حلا للقضية الفلسطينية.
افكار لارسون تتلخص في ان الفلسطينيين باتوا يرفضون مبدأ التدرج في الحل بسبب خيبة الامل الكبري التي اصيبوا بها من جراء تجربة اتفاق اوسلو وتطبيقاته الفاشلة، ولذلك يريدون التوصل الي حل نهائي دفعة واحدة، بينما يري الاسرائيليون الذين لا يثقون بالفلسطينيين ان التدرج هو الانسب لاختبار النوايا، وتأهيل الفلسطينيين للحكم قبل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
لارسون يطرح حلا وسطا، اي ان تقوم دولة فلسطينية مستقلة من حيث المبدأ، علي ان يتم التفاوض حول حدودها النهائية في مؤتمر السلام الذي دعا اليه الرئيس جورج دبليو بوش في الخريف المقبل. ومن المقرر ان تشارك فيه اطراف عربية ودولية الي جانب الفلسطينيين والاسرائيليين.
الوثيقة لا تضيف جديدا، ولكنها تحظي بتأييد اطراف عديدة اطلعت عليها، مثل السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية، والرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الاردني عبد الله الثاني، الي جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت.
الانطباع المطروح حاليا في الاوساط المذكورة ان منطقة الشرق الاوسط تواجه اربع ازمات رئيسية، هي العراق ولبنان والملف النووي الايراني والصراع العربي ـ الاسرائيلي، وتبدو الازمة الاخيرة هي اقلها تعقيدا، ولذلك فان الوقت ملائم حاليا للبدء في استئناف الجهود للتوصل الي تسوية، وهذا ما يفعله الرئيس بوش حاليا ووزيرة خارجيته السيدة رايس.
لارسون قضي عشر سنوات مبعوثا للامم المتحدة في المنطقة، ولذلك يبدو علي دراية كاملة بالكثير من تفاصيلها الدقيقة بحكم لقاءاته المتعددة مع المسؤولين الكبار والصغار فيها، ولكنه لا يدرك جيدا مدي تغير الاوضاع منذ وفاة صديقه الرئيس ياسر عرفات مسموما، وظهور قوي جديدة علي الساحة الفلسطينية تتمتع بثقل شعبي كبير مثل حركتي حماس و الجهاد الاسلامي .
الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي يبدو متحمسا لمؤتمر الرئيس بوش للسلام، ويراهن علي صداقته المتنامية مع ايهود اولمرت لا يملك الشرعية الكاملة التي تؤهله للقبول بتسوية تاريخية للقضية الفلسطينية، فهو لا يملك الكاريزما التي كان يملكها الرئيس عرفات، مضافا الي ذلك ان فوز حماس في الانتخابات التشريعية الاخيرة، وسيطرتها علي قطاع غزة بالكامل، أضعفا مركزه، وقللا من حجم شرعيته، بخلق شرعية منافسة.
صحيح ان الفلسطينيين لا يثقون بالحلول التدريجية ولكنهم يكرهون ايضا الدول المؤقتة غير واضحة المعالم. ويتوجسون خــوفا من اي مقترحات او حلول جديدة تتجاوز ثوابت اساسية مثل حق العودة والسيادة الكاملة علي القدس المحتلة.
الضغوط تتعاظم حاليا علي الطرف الفلسطيني، لانجاز اتفاق اطار ، والقبول بوثيقة لارسون هذه كأساس، وقبل انعقاد مؤتمر الخريف، ولكن من الصعب نجاحها في انجاز هذا الهدف، ليس لان الوقت المتبقي بات قصيرا، ولكن لان جميع الاطراف المعنية تعيش حالة من الضعف غير مسبوقة، وهذا ينطبق خصوصا علي اولمرت الذي لا تزيد شعبيته في اوساط ناخبيه عن خمسة في المئة في افضل الاحوال، وهي نسبة لا تؤهله لتوقيع اتفاقات ضخمة مثل الاتفاق المطروح الذي يتضمن تقديم تنازلات وانسحابات ملموسة.
