بدأ العد العكسي للاستحقاق العراقي، فلم يبق سوى أقل من شهر على تقرير قائد القوات الأميركية ديفيد بتراوس لكي تثبت حكومة نوري المالكي قدرتها على بسط سلطة الدولة وفرض الأمن والقانون. الأمر الذي يبدو مستحيلاً مع تفشي ظاهرة «شخصنة» الحلول العراقية، وقرار بريطانيا التخلي عن مسؤولياتها في العراق.
وجميع الرهانات العراقية بما فيها الأكثر تفاؤلا لا ترى في الأفق القريب أي أمل، فخطوة التحالف الرباعي الحكومي «المرتجلة» عمقت الانقسامات الطائفية، ولم تقدم أي رصيد للمالكي، حتى إن الرئيس الأميركي جورج بوش تجاهلها بل وقابلها بتكرار مطالبة الحكومة العراقية بالإسراع في حل المعضلات الرئيسية، وذلك رغم أن الولايات المتحدة هي بحد ذاتها جزء من هذه المعضلات.
ولا يختلف اثنان على حاجة العراق إلى الدعم الإقليمي والدولي، إلا أن المستويات المؤثرة داخل الحكومة العراقية لا تزال توصد أبواباً عربية معينة، ورغم شكوى القيادات الحاكمة حالياً في العراق من حقبة التهميش والأحادية السابقة، إلا أنها باتت نفسها تمارس هذا الأسلوب مع خصومها الحاليين.
والحادث في العراق حالياً لا يتعدى سوى مبادرات فردية منفصلة عن سياقها العام، فالمالكي يمتلك أجندة تختلف مع الرئيس جلال طالباني ومسعود برزاني وإن تصافح الثلاثة في العلن، وأما نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي والذي يتملكه الإحباط رغم أنه من المفترض أن يكون جزءاً من صناعة القرار العراقي إلا أنه يخرج في النهاية ليؤكد غياب الرؤية المشتركة لمسائل مركزية لا يزال ينقسم حولها العراقيون.
وفي ظل هذا الواقع العراقي، تخشى أميركا الانسحاب، رغم أنها ستكون مجبرة عليه في نهاية المطاف، كما أنها تحض البريطانيين على البقاء، وبالأمس حذر الأميركيون نظراءهم في لندن من الانسحاب المذل من البصرة، رغم أن قوات التحالف في الجنوب عملياً غير متواجدة، فمعظم محافظات الجنوب باتت تحت سيطرة الميليشيات المسلحة وهي التي تتحكم في مصير العراقيين هناك.
لندن حسمت أمرها، فهي تعلم أنه لا يمكن للقوات البريطانية أن تنجز أكثر مما قامت به خلال الأربع سنوات الماضية، وحالياً يتعرض البريطانيون في البصرة إلى 60 هجوماً يومياً، وهم محتجزون فعليا داخل قصر البصرة ولا يفعل الجنود شيئاً سوى النظر إلى الميليشيات وهي تحكم الجنوب.
ومعادلة «الميليشيات» تظهر بقوة على الساحة العراقية، فهذه الميليشيات هي المسيطر الفعلي على الخدمات وهي القادرة على تأمين الحماية للمواطنين العراقيين شرط الولاء، فالدولة غائبة، والأسوأ من ذلك عدم قدرة الحكومة العراقية على معالجة هذه الظاهرة المستفحلة. بل على العكس كانت المعالجة بالعودة إلى الزعامات العشائرية والتي نجحت كثيراً في غرب العراق، إلا أن مستوى الولاء الوطني غائب تماماً.
وفي خطابه الأسبوعي للأمة الأميركية أقر بوش بهذه الحقيقة عندما اعتبر أن تشكيل المجالس المحلية، الواجهة السياسية لمجلس إنقاذ الأنبار، تقدم سياسي يخدم خطة فرض القانون، وكانت أميركا قد عممت هذا الحل أيضاً بعد أن سعت إلى فرضه في محافظة ديالى. إلا أن الرئيس الأميركي نفسه اعترف أيضاً أنه لم يحصل أي تقدم على المستوى الوطني.
