بادئ ذي بدء, لابد من تسجيل حقيقة أن كل ما هو آت في هذه السطور لا يرقى في أي حال من الأحوال إلى مستويات التطبيق العملي مثلما لا يحدونا الأمل بأن يرى النور حتى إشعار آخر لا يزال مجهولاً تماماً حتى هذه اللحظة.
في حين سيبقى محتواه مجرد محاولة نقاش نظرية ليس غريباً أن توسم، في كثير من جوانبها ومن جهات كثيرة، بالسفسطائية الكلامية التي لا طائل منها في ظل الحالة غير المسبوقة من تدهور العلاقات العربية ـ العربية والعربية ـ الإسلامية والإسلامية ـ الإسلامية، حيث الأمثلة لا تعد ولا تحصى خاصة في هذا المضمار خاصة وأن الخلافات والاختلافات باتت تدب في عروق أضيق الأطر الوطنية أو القومية أو تلك المتعلقة بالأمة سواء سميت عربية أو إسلامية.
على ضلالتها، يعز علينا لقيا دعوة بوش العرجاء لعقد «مؤتمر» دولي حول السلام في الشرق الأوسط بكل هذه الحفاوة، تلك الحفاوة التي شملت عقد مؤتمرات جانبية وتحالفات جديدة وتحركات غير مسبوقة وحتى جيشت الجيوش وأجريت المناورات العسكرية والسياسية خدمة لها ووضعت تحت أقدامها كل الإمكانيات المتخيلة وغير المتخيلة ونظم لها الشعر ولحنت لها الأناشيد وخصصت لها الميزانيات وجند لها الحكماء والساسة والأدباء على اختلاف مشاربهم، مع أنها لا تعدو كونها واحداً من تلك الاجتماعات التي باتت تعقد بشكل شبه دوري في المنطقة العربية تحت راية سيد البيت الأبيض والمراد منها ضبط مسألة الأمن على مقاس واحد يعرفه القاصي والداني .
ولا تصب إلا في مصلحة الكيان الصهيوني ولا تهدف إلا إلى تشتيت الجهود ومضيعة الوقت وإضاعة الحقوق. يعز علينا ألا تلقى دعوات أخرى هي جدية بطبيعتها ونبل أهدافها لا غبار عليه وتتعلق بالدعوة إلى الحوار بين المكونات السكانية الأساسية في المنطقة بما فيها المكونات الدينية، ولم لا إذا كانت هذه تعكس الخارطة الحقيقية لسكان هذا الجزء من العالم.
كما يعز علينا ألا تلقى الترحيب والاهتمام المناسبين دعوة مثل التي أطلقها المرجع الديني محمد حسين فضل الله للحوار بين المذاهب الإسلامية على طريق توحيد صفوف المسلمين والعرب ولاسيما في هذه المرحلة التاريخية الحرجة من عمر المنطقة. يعز علينا ألا تلقى هذه الدعوة آذاناً صاغية لدى المسؤولين وصناع القرار في العالمين العربي والإسلامي رغم صحتها وشفافيتها وضرورتها.
إذا كان بإمكان بعض مكونات سكان المنطقة قادر على الدخول في حوار مع جهات لطالما صنفت ضمن معسكر الأعداء، فحري به، في هذا المقام، أن يبادر إلى الشروع في حوار مع أبناء جلدته أولاً خاصة وأن ذلك يأتي ضمن ضرورات الاعتراف المتبادل بين مكونات المجتمع على أساس أنها عناصر موجودة بفعل الأمر الواقع وليس على أساس محاولة افتراضية لإلغائها وإدارة الظهر لها كأنها غير موجودة أصلاً، الأمر الذي يتطلب حشد كل الطاقات المتاحة وبذل كل الجهود الممكنة وتوفير جميع الظروف اللازمة للولوج حقاً إلى صيغة صحية وسليمة للتعايش بين الناس قائمة على الاحترام والتفاهم وقبل هذا وذاك الحوار.
رغم أن الدعوة إلى تنحية الخلافات جانباً والابتعاد عن الشقاق ورص الصفوف والاهتمام بالمشكلات الحقيقية للأوطان والناس تبدو في هذا الزمان طوباوية بصورة كلية ومطلقة، إلا أن هذا الواقع المزري لا يلغي صحتها ولا يجب أن يثبط عزيمة الشرفاء وتصميمهم على التعامل معها وتوجيهها في الاتجاه الصحيح وحث الناس على أخذها على محمل الجد.
لكن ما يلفت الانتباه هو أنه حتى وسائل الإعلام لم تعر هذه الدعوة ما تستحقه من اهتمام مع أنها كان يجب أن تشكل نقطة بداية يمكن التأسيس عليها في معالجة عدد من القضايا الإستراتيجية تاريخياً والتي بدونها سيبقى النفق العربي ـ الإسلامي على حاله مظلماً بعيداً عن أي بصيص نور قد يلوح في آخره.
لقد باتت المرحلة الحالية في أمس الحاجة إلى هكذا حوار في ظل حالة عدم الاستقرار المزمنة التي تعاني منها شعوب المنطقة منذ عشرات إن لم تكن مئات السنين، الأمر الذي يتطلب بلا تردد حشد كافة قوى وفعاليات المجتمع على طريق تشكيل جبهة موحدة لا هي دينية ولا هي وطنية ولا هي قومية ولا هي تقدمية، فلا أهمية للاسم في هذا المقام، المهم أن تكون جبهة موحدة تضم تحت رايتها كل عناصر المجتمع ومكوناته المتضررة حتماً من الاحتلال الأميركي للمنطقة، الذي تشكل حالة الانقسام السائدة بالنسبة له الأوكسجين الذي يبقيه على قيد الحياة.
href="bassil@albayan.ae">bassil@albayan.ae