بعد الثقة الشعبية الكبيرة التي حصدها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة بحصوله على غالبية 342 نائبا من مجموع 550 مقعدا في البرلمان التركي، وبعد تكليف الرئيس التركي للدكتور «رجب طيب أردوغان» رئيس حزب العدالة والتنمية بتشكيل الوزارة الجديدة، عادت مسألة رئاسة الجمهورية لتشكل الاختبار التالي للحزب مع انعقاد البرلمان التركي اليوم في أولى الجولات الثلاث المقررة لانتخاب الرئيس الجديد، فهل ينجح البرلمان التركي بمكوناته الجديدة من الحزبين الرئيسيين المعارضين وهما حزب الشعب الجمهوري «117 مقعدا» والحزب القومي «62 مقعدا» والمستقلين ومعظمهم من الأكراد «29 مقعدا» من التوافق على اختيار رئيس الجمهورية الجديد؟
هذا هو الأغلب مع ترجيح عدم لجوء القوميين المعارضين إلى مقاطعة الجلسة بعد ترشيحهم لوزير الدفاع السابق «صباح الدين جكمكوغلو» لمنافسة «جول» على الرئاسة، وهنا نذكر بالأزمة السابقة التي جرت في مايو الماضي حينما قاطع نواب الأحزاب المعارضة جلسة الاقتراع البرلمانية مما أسفر عن حضور 357 عضواً في حين كان المطلوب لاكتمال النصاب حضور 367 عضواً، ثم تكرر ذلك في الجولة الثانية مما دفع المرشح الوحيد للرئاسة الدكتور «عبد الله جول» والذي نال ثقة 354 من ال357 نائبا في الجلستين السابقتين، إلى الانسحاب وعدم الانتقال للجولة الثالثة بالرغم من ضمان فوزه فيها لعدم حاجتها إلى نصاب الثلثين.
لكن حزب العدالة والتنمية بدلاً من ذلك دعا إلى إجراء انتخابات برلمانية رغبة منه في أن يأتي ترشيحه لرئاسة الجمهورية بغالبية توافقية حاسمة تجنباً للتوترات السياسية مع المعارضين من الأحزاب العلمانية وجنرالات الجيش الذين يعارضون انتخاب رئيس له توجه إسلامي، والأكثر مدعاة للاستغراب رفضاً لرئيس ترتدي زوجته الحجاب!
وقد سعى «أردوغان» و«جول» أن يخرجا من هذه الانتخابات المبكرة بنتائج ثلاث®. الأولى تجديد الثقة الشعبية الكبيرة لحزب العدالة والتنمية لتكون هي المرة الثانية في تاريخ الانتخابات التركية بالفوز لدورتين متتاليتين، والثانية الحصول على الأغلبية المطلقة التي تمكنهم من تشكيل الحكومة دون الحاجة إلى الائتلاف مع أحزاب أخرى، والثالثة الحصول على عدد أكبر من المقاعد البرلمانية بما يمكنهم من حسم نجاح مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية دون الحاجة لأصوات المعارضة.
ويبدو أن الحزب هذه المرة أكثر ثقة بالفوز برغم أن الهدف الثالث لم يتحقق تماماً حيث يحتاج في جلسة اليوم إلى حضور25 نائب من المستقلين أو المعارضين لتحقيق نصاب الجلسة، وفى هذه الحالة ينجح الدكتور عبد الله جول رغم معارضة كل المعارضين.
ويرجح المراقبون أن غالبية النواب المستقلين سيمنحون تأييدهم ل«جول» نظراً للموقف المتشدد الذي يتخذه الجيش التركي المعارض من المسألة الكردية حيث يدعو للحل العسكري مع حزب العمال الكردستاني في حين يميل حزب العدالة إلى الحل السياسي، ويبدو أن ثقة حزب العدالة والتنمية بفوز مرشحه هي التي حسمت إعادة ترشيح «الدكتور جول» للمرة الثانية لخوض الاقتراع البرلماني بعدما راجت أنباء عن اتجاه «أردوغان» لاختيار مرشح توافقي جديد.
وتنبع معارضة الجيش والعلمانيين لترشيح جول من التخوف المبالغ فيه من توجهات حزب العدالة الإسلامية في دولة مازالت القوانين الأتاتوركية هي السائدة فيه وما زال الدستور التركي يؤكد علمانية الدولة بالرغم من أن أكثر من 95 من سكانها من المسلمين!
وسبق للجيش التركي الذي يعتبر جنرالاته أنفسهم حرس العلمانية الانقلاب على الحكومات المنتخبة أربع مرات، أشهرها الانقلاب على حكومة «عدنان مندريس» عام 1960 التي أعاد الشعب التركي منحها ثقته الكبيرة لدورتين متتاليتين في الانتخابات البرلمانية، وقد وصل هذا الانقلاب الدموي إلى حد إعدام «مندريس» الذي أعاد الآذان إلى المساجد التركية، وأعاد فتح المدارس الدينية وتعليم اللغة العربية.
ورغم تأكيد زعماء حزب العدالة والتنمية احترام علمانية الدولة، ورغم المعادلة الموضوعية الجديدة للعلاقة بين الدين والدولة وبين الهوية الحضارية التركية والسعي للانضمام للاتحاد الأوروبي بما يجعل من تركيا جسراً للحوار في اتجاهين للمرور بين الماضي والحاضر وبين الشرق والغرب، فمازال الخوف من الإسلام لدى الأوروبيين في الغرب والخوف من حزب العدالة لدى العلمانيين في الشرق رغم إصرارها على أن المعركة ليست بينهم كإسلاميين وبين العلمانيين ولكن بينهم كديمقراطيين محافظين وبي.