تحمل اللاجئون الفلسطينيون (1948) تبعات النكبة التي أحاقت بهم، نتيجة قيام إسرائيل، والتي تجلّت باقتلاعهم من أرضهم وتشريدهم، وتمزيق كيانهم الاجتماعي، وحرمانهم من ممتلكاتهم، ومن إمكان تطوير هوية جماعية لهم في وطن مستقل. على هذا الأساس احتلت قضية اللاجئين، طوال المرحلة الماضية، مكانة مركزية في الصراع ضد المشروع الصهيوني، كونها تختصر في جوانبها جذور هذا الصراع ورموزه وامتداداته في الزمان والمكان. وقد تم التعبير عن ذلك لاحقا في تأسيس منظمة التحرير، ككيان سياسي ومعنوي لشعب فلسطين، وقيام حركته الوطنية، وإطلاق الكفاح المسلح، من مناطق اللجوء والشتات.
لكن موازين القوى، والمعطيات السياسية السائدة (وربما سخرية الأقدار)، أدت إلى حرمان اللاجئين الفلسطينيين، الذين حملوا قضية فلسطين، وتحملوا عبء الكفاح الفلسطيني المعاصر، بالنفس والنفيس، من إمكان استثمار كفاحهم، على المستوى السياسي، أو من تحقيق إنجازات، على الأقل في الميادين المتعلقة بحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية.
هكذا لم يستطع اللاجئون الفلسطينيون ترجمة نضالاتهم الطويلة والمريرة إلى مكاسب في عملية التسوية، التي انطلقت من مؤتمر مدريد (1991)، مروراً باتفاقات أوسلو (1993) وحتى الآن. ويمكن إحالة ذلك إلى التعقيدات والإشكاليات التالية:
أ ـ من الناحية الإسرائيلية:
لا يواجه الفلسطينيون في كفاحهم نوعا من الاحتلال التقليدي لأرضهم لمجرد أغراض اقتصادية أو سياسية، وإنما هم يواجهون مشروعا استيطانيا صهيونيا، يتصف بالسمات التالية: أولا، أنه مشروع إجلائي إحلالي، يهدف لإجلاء أهل الأرض الأصليين، وإحلال المهاجرين اليهود المستوطنين، بدلا عنهم؛ ثانيا، ليس لليهود المستوطنين وطن أم متفق عليه، على غرار المستوطنين الاستعماريين في البلدان الأخرى التي خضعت للاستعمار الاستيطاني )جنوب إفريقيا والجزائر سابقا(؛ ثالثا، ثمة أيدلوجية )قومية ودينية( للمستوطنين الصهاينة، تدعي إمكان بلورة الهوية القومية لليهود في إسرائيل، وهذا لم يحصل في التجارب الأخرى التي قامت لأهداف اقتصادية أو سياسية؛ رابعا، ارتكاز الدولة الإسرائيلية على أيدلوجية صهيونية (قومية ودينية).
وتاليا لذلك اعتبارها ذاتها دولة يهودية ولليهود (أنى وجدوا)، واستبعادها أهل الأرض الأصليين، من خلال نفي وجودهم أو من خلال التمييز ضدهم، ما يجعلها دولة عنصرية بامتياز في أحوالها وقوانينها؛ خامسا، بات لمجتمع الاستيطان، إضافة إلى الادعاءات الأيدلوجية، ادعاءات أمنية وحاجات اقتصادية واجتماعية وثقافية، لاسيما بعد أن بلغ هذا المجتمع مستوى عاليا من التبلور، بعد أن بات حوالي 60 ـ65 بالمئة منه من مواليد إسرائيل، وبعد تداخل المصلحة العامة مع المصالح الخاصة.
ب ـ على الصعيد الدولي
منذ البداية فقد نجح المشروع الصهيوني بإقامة دولة إسرائيل، بنتيجة تضافر جهود دولية وقد تمتعت هذه الدولة، فيما بعد، بالاستقرار وبالتطور الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والعسكري بفضل دعم الدول الغربية الكبرى لها، وتغطيتها لسياساتها وضمانها لأمنها ولوجودها، وبسبب من إدراك غربي مفاده أن قيام إسرائيل هو بمثابة تعويض لليهود عن الاضطهاد الذي تعرضوا له في أوروبا!
وبديهي أن تلك المكانة التي تحظى بها إسرائيل على المستوى الدولي، تمكنها من التملص من مجمل القرارات الدولية التي تؤكد على حق اللاجئين في العودة إلى أرضهم وديارهم، وصد كل الجهود التي قد تؤدي إلى ذلك، كما أنها تصعب على الفلسطينيين نضالهم من أجل حقهم في العودة.
والواضح أن الدول الكبرى المقررة باتت مقتنعة بضرورة حل لقضية اللاجئين الفلسطينيين خارج إسرائيل (فلسطين)، لتجنيبها ما يسمى الخطر الديمغرافي، والحفاظ على طابعها اليهودي، وهي تتعامل مع إسرائيل باعتبارها دولة ذات سيادة من حقها أن تقبل من تشاء وأن ترفض من تشاء. وبذلك باتت هذه الدول أقرب إلى تفهّم وجهة النظر الإسرائيلية في هذا المجال.
ج ـ على الصعيد العربي
لا يتيح واقع النظام العربي، بضعفه وتشتته، إيجاد حال من الضغط على إسرائيل لدفعها باتجاه تنفيذ القرارات الدولية بإتاحة المجال للاجئين الراغبين بالعودة إلى أرضهم. وبالأساس فإن النظام العربي السائد فاقم من مشكلة اللاجئين، من زاوية أخرى، أولا، بسياساته الفوضوية والمزاجية )وربما بتشجيعه في بعض الحالات( على تهجير اليهود إلى إسرائيل، بعد قيامها في العام 1948.
وثانيا، بطمسه الهوية الوطنية الفلسطينية والكيانية الفلسطينية التي تمثلت، آنذاك، بحكومة عموم فلسطين؛ ثالثا، بشكل تعامله مع اللاجئين بوصفهم قضية أمنية حينا أو بتوظيفهم في خدمة سياسات قطرية حينا آخر؛ رابعا، بتضييقه فرص كفاحهم من أجل حقوقهم المغتصبة في وطنهم بالطرق القانونية التي يتيحها القانون الدولي للاجئين أو بالطرق التي تتيحها معاهدات حقوق الإنسان للأفراد؛ خامسا، بحؤوله، في حالات عديدة، دون امكان قيام الفلسطينيين بتنظيم أنفسهم في جمعيات مدنية أو اتحادات شعبية، تعبر عن هويتهم وعن وحدتهم وعن مطالبهم.
ولا شك أن تعثر عملية الصراع ضد إسرائيل، على المستوى العربي، منذ أواسط السبعينات (لأسباب لا مجال لذكرها هنا) حرم الشعب الفلسطيني من أسباب القوة والإسناد اللازمين له، وأضعف حركته الوطنية في بعدها القومي، ما أنمى نزعته للاعتماد على الذات، وبالتالي تعزيز سلوكه للتماثل مع الوضعين العربي والدولي.
وقد تمثل كل ذلك في طرح منظمة التحرير الفلسطينية «البرنامج المرحلي» منذ الدورة ال12 للمجلس الوطني الفلسطيني (1974،) الذي حدد الأهداف المتمثلة بالعودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، في الضفة والقطاع. وهو البرنامج الذي قاد فيما بعد إلى إعطاء الأولوية في الأهداف الفلسطينية، لهدف إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، باعتباره الحل الأقرب والممكن، والذي يتقاطع مع المعطيات الدولية والإقليمية وحتى الإسرائيلية، برغم كل الصعوبات والتعقيدات المحيطة به.
د ـ على الصعيد الفلسطيني
من الطبيعي أن الفلسطينيين لا يملكون لوحدهم، وبقدراتهم الخاصة، القدرة على استعادة أرضهم أو حقوقهم، وضمنها فرض رؤيتهم لشكل حل قضية اللاجئين، على إسرائيل، فلا موازين القوى تسمح لهم بذلك، ولا الأوضاع العربية والدولية تسهل الأمر عليهم، كما بينا. ولكن الأمر لا يتوقف على ذلك فقط، إذ أخفق الفلسطينيون، أيضا، في توجيه رسالة واضحة إلى المجتمع الإسرائيلي وإلى المجتمع الدولي بشأن مطالبتهم بحقهم في العودة، فهم لم يميزوا كفاحهم من أجل حقهم في العودة الذي اندمج بهدف تحرير فلسطين، في البداية.
وحتى بعد إقرار البرنامج المرحلي، المتضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة، في الضفة والقطاع، ظل حق العودة شرطا لعملية التسوية مع إسرائيل. كذلك فإن الفلسطينيين لم يميزوا بين حقهم المدني/الفردي/القانوني (الذي كان من الممكن استثماره والبناء عليه)، وبين حقهم الجماعي/ السياسي (كشعب) في العودة وتقرير المصير. والأهم من هذا وذاك، أنه لم يكن للفلسطينيين رسالة واضحة عما يريدونه بشأن شكل العلاقة بينهم وبين الإسرائيليين، ثم بين دولتهم المفترضة والدولة الإسرائيلية.
فبرغم الحديث المبكر، في الخطابات الفلسطينية، عن الدولة «الديمقراطية العلمانية»، في فلسطين/ إسرائيل، والحديث منذ أواخر الثمانينيات عن الدولة «الثنائية القومية» أو الاتحاد الكونفيدرالي بين دولتين (إسرائيل وفلسطين) إلا أن هذه الخطابات لم تظهر إلا باعتبارها شعارات للاستهلاك، بدلا من أن يجري الاشتغال عليها باعتبارها مسعى فلسطينيا لتحويل الصراع وتجاوز تعقيداته والتعويض عن الخلل في موازين القوى، بإيجاد حل ديمقراطي عادل ومتوازن لهذه القضية بأبعادها السياسية والإنسانية والحضارية، وللأسف فإن هذه الخطابات لم تتحول إلى ثقافة شعبية وظلت محصورة في إطار مجموعة من المثقفين والسياسيين.
على ذلك فإن قضية اللاجئين الفلسطينيين، وللأسباب المذكورة، لم تجد حلا لها بعد أكثر من ستة عقود على نشوئها، بسبب محصلة موازين القوى والمعطيات العربية والدولية، وأيضا بسبب طبيعة المشروع الصهيوني وتفاعلات الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني؛ وهي على الأرجح مازالت قضية مستعصية على الحل.
كاتب فلسطيني
href=" mkayali@scs-net.org"> mkayali@scs-net.org