أصبح العراق عنوانا كبيرا في السياسة الأميركية الداخلية والخارجية معا، ومع انطلاق الحملات الانتخابية لمرشحي الرئاسة في الحزبين الديمقراطي والجمهوري أصبح مستقبل المشروع الأميركي في العراق موضوعا للسجال. لكن الجديد هذه المرة تقارب ملحوظ بين مواقف المرشحين الديمقراطيين للرئاسة وموقف الرئيس الأميركي بوش من ضرورة البقاء طويلا في العراق وإن اختلفت الصياغات والديباجات.

البقاء أو الدم!

منذ أسقط الأميركيون وحلفاؤهم نظام صدام حسين عام 2003 والمطالبة بالانسحاب من العراق مطروح بقوة داخل العراق وخارجه وإن انطوى الموضوع على مفارقات بعضها مربك. أول المفارقات أن الولايات المتحدة احتلت العراق بعد قليل من احتلال أفغانستان وإطاحة نظام طالبان لكن حجم المطالبة بالانسحاب من العراق أكبر بكثير من المطالبة بالانسحاب من أفغانستان داخل أميركا وخارجها بل إن المناقشات داخل الكونجرس لا تكاد تتناول الانسحاب من أفغانستان وهي تفرقة غير مبررة بين ملفين متشابهين إلى حد بعيد.

ثاني المفارقات أن الإعلام العربي يركز بشكل مبالغ فيه وأحيانا بتضخيم متعمد على الاختلاف في الموقف من الملف العراقي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على نحو يجعل مستقبل الوجود الأميركي في العراق يبدو كما لو كان مرهونا بعدد محدود من «الأصوات الطائشة» تصوت لصالح قرار الانسحاب الفوري فيهرول الأميركيون تاركين وراءهم كل شيء.

وهو ما تكرر تصويره مرات عديدة في الإعلام العربي منذ تغيرت موازين القوى داخل الكونجرس في الانتخابات الأخيرة، فكل مشروع قرار بالانسحاب أو تحديد جدول زمني له حتى لو كان تصويتا رمزيا هدفه «تسجيل موقف» يتم تصويره كما لو كان انقلابا تاريخيا ومنعطفا حاسما في السياسة الأميركية، وفضلا عن أن هذا في مجمله غير صحيح فإن الرئيس الأميركي أبدى استعدادا متصاعدا لاستخدام الفيتو الرئاسي ضد مثل هذا القرار.

ولأن قدرة خطابنا التحليلي على التنبؤ الدقيق بالسلوك السياسي الأميركي ضعيفة فإن توقعاتنا تختلط بأمنياتنا، فمثلا مع كل انتخابات في العواصم التي شاركت حكوماتها في عملية العراق شاعت تنبؤات بأن الناخب في هذا البلد أو ذاك سيعاقب من قرر المشاركة في المشروع الأميركي في العراق وهو ما يحدث وجميعهم باستثناء أسبانيا نجحوا في الاحتفاظ بمناصبهم (بوش في أميركا بلير في بريطانيا هاوارد في استراليا كويزومي في اليابان).

والفشل في التنبؤ بمزاج الناخب في أي من هذه الدول مؤشر واحد من مؤشرات الفشل التحليلي الذي نعانيه، فهناك إلى جانب ذلك ضعف ذاكرة ملموس، فالضربة الأميركية الأكبر قبل حرب 2003 كانت «ثعلب الصحراء» التي شنها كلينتون عام 1998 وهو رئيس ديمقراطي، فضلا عن أن القانون المسمى قانون «تحرير العراق» صدر في عهد الرئيس الديمقراطي نفسه، وفي عهده أيضاً تم التدخل العسكري الأميركي في البلقان عام 1999.

الديمقراطيون والانسحاب

والجديد المهم في النقاش الأميركي حول العراق تقارب رصدته نيويورك تايمز الأميركية (12 / 8/ 2007) في مواقف الرئاسة في الحزب الديمقراطي من موقف الرئيس بوش من قضية الانسحاب الأميركي من العراق، فرغم أن المتنافسين على ترشيح الحزب الديمقراطي لخوض سباق الرئاسة الأميركية يطالبون بسحب القوات من العراق، إلا أن جميع المتنافسين باستثناء مرشح واحد فقط يرون أن الانسحاب يحتاج إلى سنوات طويلة لتنفيذه، ولا يمكن تحقيقه عمليا في غضون سنة أو سنتين. فهناك شبه إجماع بينهم على أن الوجود الأميركي الطويل الأمد في العراق سيظل مطلوبا لحفظ الأمن ومنع اندلاع مذابح طائفية.

ويأتي على رأس المنادين بإبقاء قوات كافية من أجل التدخل في حال حدوث مجازر بين الشيعة والسنة السيناتور السابق جون إدواردز الذي يرى أيضاً أن هناك حاجة لإبقاء قوات للتدخل السريع إذا امتدت أعمال العنف إلى بلدان مجاورة للعراق. من جانبها، ترى السيناتورة هيلاري كلينتون أن هناك حاجة لإبقاء قوات كافية بغرض مكافحة الإرهاب وتأمين الاستقرار لإقليم كردستان شمال العراق، في حين يرى السيناتور باراك أوباما أن الولايات المتحدة يجب أن تترك قوات غير محددة الحجم من أجل توفير الأمن للموظفين الأميركيين ومحاربة الإرهاب وتدريب العراقيين.

وحسب «نيويورك تايمز» نوهت المصادر الأميركية بأن المواقف المعلنة لهؤلاء المرشحين المنادين بالانسحاب من العراق لا تهدف إلا إلى مخاطبة مشاعر الناخب العادي، أما المواقف الحقيقية التي يعلنها المرشحون على استحياء، فإنها تبين بوضوح معرفتهم لحقائق الوضع على الأرض وعدم إمكانية تنفيذ أي انسحاب فوري دون مراعاة للعواقب الممكن أن تنجم من هذا الانسحاب.

وأن المرشح الوحيد الذي يطالب بسحب فوري للقوات الأميركية دون وضع حسابات تؤجل الانسحاب هو بيل ريتشاردسون حاكم ولاية نيومكسيكو الذي يرفع شعار «الانسحاب الفوري لا غير» أما موقف السيناتور جو بايدن الذي يسعى أيضاً لترشيح الحزب الديمقراطي له فإنه يتلخص في ضرورة تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم وتجريب الفدرالية قبل سحب القوات الأميركية. ولا تخرج مواقف بقية المرشحين عن المطالبة بسحب تدريجي للقوات غير محدد الزمن.

وهو الأمر الذي يكاد يتفق عليه جميع المرشحين بأنه يحتاج إلى سنوات طوال والتحول في الموقف من الانسحاب الفوري كمطلب بدأ لفترة أنه يكتسب المزيد من الأنصار تحول سيكون له ما بعده، فمع التقارب في موقف الحزبين الديموقراطي والجمهوري سيحل غالبا ملف دولي آخر محل الملف العراقي ليكون موضوعا للاستقطاب في الانتخابات، بل ربما تأخر الاهتمام الكبير بالملف العراقي كله فالموضوعات «الوفاقية» أقل إثارة للاهتمام من القضايا الخلافية السجالية.

والأهم أن الانسحاب أصبح مرهونا في المقام الأول بالاستقرار داخل العراق وحوله أي أن المشروع «الجمهوري» في العراق مرشح لأن يصبح محل إجماع أميركي وإن اختلفت «الجداول الزمنية»، فالعراق في كل الأحوال لم يعد عقبة في طريق البيت الأبيض كما تصور البعض وكما صور لنا آخرون.

كاتب مصري