الواضح إننا لا نلاحظ استنفاراً وتدخلاً أميركياً ودولياً سريعاً في أي قضية من القضايا الدولية كما نلاحظه في مسألة الأمن الإسرائيلي، فكلما دق الكوز بالجرة في هذه المسألة وتجرأ احد في العالم على نقد «اسرائيل» وجرائمها ينتفض العالم الأميركي - الغربي - الأممي المتصهين ليعلن حربا عالمية إعلامية تحريضية جارفة ضده.

هكذا كانت الأمور على مدى السنوات والعقود الماضية، فالأمن الإسرائيلي لدى كل اولئك يعتبرونه جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي الأميركي على سبيل المثال، فالإدارة الأميركية تعلن صباح مساء انها حريصة على تفوق اسرائيل الحربي على كل الدول العربية، وعلى أمنها وسلامتها، وكذلك معظم الدول الأوروبية وصولا الى المنظمة الدولية بمجلسها الأمني وهيئتها العامة.

لذلك حينما أعلن الرئيس بوش بمناسبة مرور ثلاث سنوات على غزو العراق في واحد من اخطر خطاباته الحربية المنحازة «انه مستعد لاستخدام القوة العسكرية لحماية امن إسرائيل» انه عبر عن جوهر وصميم السياسات الأميركية لدى الحزبين الأميركيين في هذه المسألة، الأمر الذي كان أكده المحلل الإسرائيلي ناحوم برنياع في يديعوت احرونوت 10112006 عندما كتب قائلا: «ان اسرائيل ستبقى طفلا مدللا للحزبين في اميركا».

ولذلك لم تكن مفاجأة تلك )المكافأة السخية( للحليف الإسرائيلي التي أعلنتها الإدارة الأميركية باعتزامها تقديم دعما عسكريا لـ «اسرائيل» بقيمة 30 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة اي بزيادة تبلغ نسبتها 43 في المئة، وهي الزيادة التي حاول مسؤول كبير في إدارة بوش شرح مبرراتها بالقول: إن تلك الزيادة تأتي لتعويض اسرائيل عن خسائرها في الحرب ضد حزب الله في الصيف الماضي، وللمحافظة على التفوق الإسرائيلي العسكري في الأسلحة المتقدمة.

وفي خضم التوقيع على «المكافأة السخية» قال نائب وزيرة الخارجية الأميركية، نيكولاس بيرنز «إن الولايات المتحدة ملتزمة تجاه أمن إسرائيل»، وفي حفل التوقيع الذي جرى في مكتب وزارة الخارجية الاسرائيلية أضاف بيرنز، الذي وقف على رأس الوفد الأميركي إن «الولايات المتحدة صديقة لإسرائيل، وعندما تكون الأخيرة موجودة في منطقة تعج بالتهديدات، فإن الولايات المتحدة تساندها»، وأضاف «أن هذه المساعدات هي استثمار بعيد الأمد في إسرائيل، وأن للولايات المتحدة مصالح حيوية تكمن في الحفاظ على أمن إسرائيل»، ويتناغم بيرنز مع باراك في منطق «ان المنطقة غابة وحوش».

ويقول: «إن الشرق الأوسط أصبح أشد خطورة مما كان عليه قبل 10 أو 20 عاماً، وأن إسرائيل تقع في منطقة تتفاقم فيها الأخطار»، ويكرر نظرية باراك في القوة والتسوية قائلا: إن الطريق الوحيد للتوصل إلى السلام هو الحفاظ على إسرائيل قوية، وإنه على الدول العربية الملتزمة بالسلام أن تدرك أن الولايات المتحدة ستقف إلى جانبها، وأن الطريق إلى السلام يجب أن تعتمد على أن نثبت لدول مثل سوريا وإيران أن الولايات المتحدة تعزز من قوة أصدقائها العسكرية.

وكان الرئيس الأميركي بوش قد أعلن في كلمة له أمام اللجنة الأميركية اليهودية التزاما أميركيا بـ «الحفاظ على امن إسرائيل» واعتبار هذا الالتزام قويا وغير قابل للاهتزاز او الطعن ، ليلحق هذا الالتزام بسلسلة لا حصر لها ليس من الالتزامات الأميركية فقط، وانما بـ «حروب» اميركية واسعة شاملة ظالمة في الحقيقة والصميم من اجل أمن إسرائيل.

تنقلنا هذه الالتزامات الأميركية المتجددة لأمن الدولة الصهيونية مباشرة الى جملة لا حصر لها من الأسئلة والتساؤلات الملحة دائما على كل الأجندات العربية والدولية مثل :

- لماذا يكون «امن اسرائيل» دائما وابدا على قمة الأجندة السياسية والاستراتيجية الأميركية والغربية...؟

- ولماذا كل هذه الحروب الأميركية ضد امتنا وأوطاننا وحضارتنا وعلمنا وتقدمنا من اجل «امن إسرائيل»...؟

- لماذا تقترف المجازر والجرائم المستمرة بالجملة والمفرق في فلسطين والعراق، ولماذا تذبح شعوبنا دون ان يهتز للعالم جفن هكذا «من اجل امن اسرائيل»...؟

- ولماذا ينتهك الأمن القومي العربي برمته «من اجل امن إسرائيل»...؟

- والأهم والأخطر دائما : لماذا يتفرج العرب هكذا على ذبح أمنهم القومي مسلوبي الإرادة والقرار والقدرة حتى على «الدفاع عن النفس»...؟

في هذه العلاقة الاستراتيجية ما بين الإدارتين الأميركية - الإسرائيلية كتب قطب السلام الإسرائيلي «اوري افنيري» يقول: العبرة من قضية العراق هي ان العلاقة الأميركية الإسرائيلية تصل الى ذروتها عندما تمتزج المصلحتان الأميركية والإسرائيلية فيما بينهما كوحدة واحدة، تستخدم أميركا إسرائيل للسيطرة على الشرق الأوسط وتستخدم إسرائيل أميركا للسيطرة على العالم.

ولذلك نثبت بدورنا في ضوء كل ذلك انه اذا كانت هناك وراء العدوان الأميركي على العراق أهداف استراتيجية أميركية تتعلق بأمركة المنطقة والعالم ، فإن هناك بالتأكيد أهداف استراتيجية صهيونية تتعلق بالعراق وفلسطين والمنطقة، وتستند على أرضية عريضة من الأدبيات الأيديولوجية الدينية والسياسية الصهيونية - الإسرائيلية التي تتحدث عن «أرض إسرائيل» أو عن إسرائيل الكبرى» أو عن «إسرائيل العظمى» أو عن «إسرائيل الكبرى والعظمى معاً» وكافة همبكات وأضاليل ما يسمى بعملية السلام وخطة «الانفصال والتجميع» آحادي الجانب لا تلغي هذه الحقائق الكبيرة .

ولذلك لا دهشة بذلك الكم الكبير من التصريحات والوثائق التي تتحدث عن ان إسرائيل تحتل قمة الأجندة السياسية/الاستراتيجية الأميركية ومحور مشروع الشرق الأوسط الكبير، ولا غرابة عندما يعلن المفكر الأميركي «مايكل كولينزبايبر» في محاضرة له أمام مركز زايد في أبو ظبي مؤكداً : أن خطة شن الحرب على العراق تتصل بأرض إسرائيل الكبرى.

ولا نبالغ ا ن قلنا ايضا ان كل قصة «مشروع الشرق الأوسط الكبير» او «الأكبر» او «الصغير الذكي» انما هي قصة اسرائيل وامن وبقاء واستمرار ليس وجود اسرائيل فحسب، وانما هيمنتها الاستراتيجية المطلقة على المنطقة برمتها ايضا.

ولا نبالغ ان قلنا كذلك ان كل قصة «الحرب على الإرهاب» و«ضرب وتدمير وغزو العراق» انما هي قصة «امن اسرائيل» في الجوهر والصميم والأبعاد الاستراتيجية.

يجمع أقطاب المؤسسة الأمنية العسكرية السياسية - الاستراتيجية الإسرائيلية على «ان واقعا جديدا اخذ في النشوء بعد احتلال العراق» و«ان القضاء على القوة العسكرية العراقية ازال من امام اسرائيل تهديدا من الوزن الثقيل، بحيث انتهى الخطر على اسرائيل الآن من جهة الشرق، ولأول مرة تصبح إسرائيل آمنة من الجيوش النظامية العربية، ما يمنح اسرائيل فرصة كبيرة استراتيجية للاستقرار والهيمنة.

ويأتينا الرئيس بوش وأقطاب الادارة بعد كل ذلك ليعلنوا التزامات جديدة متجددة بأمن اسرائيل فقط دون ان يكون في حساباتهم واعتباراتهم ما يذكر من امن العرب وفلسطين والعراق وسوريا ولبنان، وأكثر من ذلك فإنهم يعملون على إكمال واستكمال الطوق الأمني الاستراتيجي في الشرق الأوسط لصالح اسرائيل ايضاً.

وكل هذه الحملات والحروب الاستعمارية الجرائمية من اجل أمن اسرائيل.

ولذلك نتساءل دائما :

- أين العرب من هذه الأجندة الاستراتيجية الأميركية الشرق أوسطية التي تستهدف إهدار الأمن القومي العربي والإسلامي بلا رحمة واستباحة كافة الحرمات العربية والإسلامية لصالح «امن اسرائيل» الى ابد الآبدين...؟

وأين المجتمع الدولي كذلك من هذه الحروب والانتهاكات الأميركية لكافة المواثيق والأعراف والقوانين الدولية؟

- والى متى ستبقى اسرائيل الطفل المدلل لدى الإدارة الأميركية يذبح العرب وأمنهم القومي على مذبح الأمن الإسرائيلي؟

ولكن الأهم من ذلك :

ألم يئن الأوان من زمن ليقوم العرب بمسؤولياتهم التاريخية والحضارية والمصيرية ؟ ، و بإعادة صياغة المشهد العربي الراهن برمته، وصياغة الأجندات والسياسات والإرادات السياسية العربية بما يبعث ويحمي الأمن القومي العربي؟

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com