أعود بكم أكثر من نصف قرن إلى الوراء®. إلى 27 نوفمبر 1950. في هذا اليوم نشرت «Time» الأميركية مقالا بعنوان «ما هي قدرة روسيا» يعكس ما توصل إليه في هذا الصدد خبراء الاستخبارات الأميركية في مختلف المجالات. توصلوا إلى أن الاتحاد السوفييتي، يمكن أن يخوض حربا ضد أميركا قبل نهاية ذلك العقد، أو قل ذلك العام.

انطلقوا من أن بعض أوجه القوة الروسية الدائمة ( مساحتها الشاسعة، كثرة وصلابة السكان) تعد قوة صمود سواء في وجه القنبلة النووية أو مشاة نابليون أو دبابات هتلر.

لكن المجهول كان فيما يتعلق بواقع القوات المسلحة والاقتصاد وتركيبة أجيال السكان والقدرة على تعبئة الموارد البشرية ووفرة خامات النفط واليورانيوم وعدد القنابل النووية وشبكات المواصلات وطرق الإمدادات لجبهات القتال وحالة قوات المشاة والقوات المدرعة والقوات الجوية والتحالفات السوفييتية الدولية والقدرة على تأمين الاكتفاء الذاتي من الغذاء وأمور أخرى.

استنتجوا أن الحرب العالمية الثانية دمرت الكثير من القوى السوفييتية البشرية والعسكرية والاقتصادية. لكن الروس بعد أن حققوا الانتصار على الفاشية واحتلوا مصانع السلاح الألمانية وأسروا خبراءها سخروا ذلك من أجل تطوير قواتهم وخصوصا في مجال الطيران. وهكذا ظهرت أول طائرات مقاتلة نفاثة سوفييتية من طراز ميغ ـ 9 و ياك ـ 15 في استعراض أمام العلن عام 1946. كانت سرعتها لا تتجاوز 500 ميل في الساعة، لكن سرعان ما ظهر جيل من المقاتلات كطائرة ميغ ـ 15 التي واجهتها المقاتلات الأميركية في الحرب الكورية لتجدها لا تقل عنها قدرة. وقس على ذلك في كثير من المجالات الأخرى.

خرج المحللون بتقدير عال لقدرة الروس على تحمل المصاعب وإتقان الكرملين في الإدارة السياسية بالرغم من جوانب العجز والحرمان. لكنهم أشاروا إلى أن القدرات العسكرية تعاني من عدم تناسق دائم لا يمكن استبعاده لأنه لا يعود إلى أخطاء في حسابات القائد، بل للمحدودية الجغرافية والاقتصادية.

ورأوا أن العجز الأساسي هو في إمكانية الانتقال وخصوصا في البحار. وان هذا الواقع لن يتغير إلا باحتلال روسيا وسيطرتها على الموارد الصناعية لبلدان أوروبا. كما توصلوا إلى أن وجود الحركة الشيوعية العالمية مثل أفضل بديل في التاريخ يعوض محدودية الانتقال في البحار. وهذا ما حدث في كوريا والهند الصينية.

خلص التقرير إلى أن روسيا باستخدام أفضلياتها ( القدرة الدفاعية، النفوذ الأيديولوجي والسلاح النووي ) تستطيع تحقيق الهيمنة العالمية بنتيجة حربين أو حرب مجزأة على مرحلتين : الأولى، احتلال أوروبا الغربية وتقوية مواقعها في آسيا، والثانية، بنتيجة ذلك تؤمن قدرات صناعية للامتداد تقضي على أسباب إعاقة الانتقال خلال 5 10 سنوات.

كان ضروريا استعراض ذلك المقال التاريخي والطويل جدا. ورغم أنه أخطأ في تقديراته بأن الاتحاد السوفييتي كان ينوي خوض الحرب ضد أميركا في عام 1950، إلا أن استحضاره الآن يفسر كثيرا ما شهدناه في الفترة الأخيرة وفي الأسبوع الأخير تحديدا. في الأسبوع الماضي عقدت بلدان منظمة شنغهاي للتعاون قمة لقادتها السياسيين في مدينة بيشكيك القرقيزية. ثم أتبعتها بمناورات عسكرية هي الأكبر من نوعها في تشيليابينسك في منطقة الأورال الروسية.

وأعلنت روسيا إعادة تشغيل دوريات الطيران في أجوائها. وقبل ذلك نصب الروس علم بلادهم في قاع القطب المتجمد الشمالي. من المفيد تناول التطورات الراهنة في ضوء موضوعات تقرير عام 1950 فسنجد أن روسيا خرجت من عهد يلتسين بسيادة منتهكة واقتصاد مترد وتناقص في عدد السكان وفي متوسط عمر الإنسان أشبه بمفعول قنبلة نووية وتآكل في القاعدة العلمية التقنية والقدرات الدفاعية ونزيف للعقول.

لقد أحدث يلتسين في روسيا ما يمكن أن تحدثه حرب ثقيلة. وكما استطاعت أن تنهض من تحت ركام الحرب نهضت هذه المرة من آثار حقبة يلتسين. واستفادت من موجات ارتفاع أسعار النفط الكبيرة في السنوات الأخيرة لإعادة بناء قدراتها على كافة الصعد. كما استطاعت أن تشيد بناء تحالفات دولية جديدة لتجعل من منظمة شنغهاي للتعاون ما أطلقت عليه The Daily Telegraph «حلف وارسو 2». فقد عقدت يوم الخميس الماضي، وحيث أعادت روسيا تشغيل دورياتها من المقاتلات الاستراتيجية، وقبلها نصب العلم الروسي في القطب المتجمد الشمالي.

العالم اليوم يشهد إعادة اصطفافات سريعة ونوعية. وإذا كانت منظمة شنغهاي للتعاون التي تأسست عام 2001 تضم إلى جانب روسيا والصين أربعة بلدان من آسيا الوسطى هي كازاخستان، قرقيزيا، طاجيكستان وأوزبكستان، وأصبحت تكتسب بشكل متسارع طابعا مناهضا للغرب، فإنها أصبحت الآن مركز جذب لباكستان والهند ومنغوليا وكذلك إيران.

لدى واشنطن من الأسباب ما يكفي لكي تقلق إزاء هذه التطورات. وما سيضاعف همومها هو رفض طلبها لحضور ممثلين عن الولايات المتحدة للمناورات العسكرية بصفة مراقب، بينما دعي الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للحضور بصفة ضيف شرف.

وكما في ذلك التقرير نجد صحافة الغرب تذكر بعودة الحرب الباردة في أكثر أشكالها سخونة. فهي تتحدث عن مساع روسية «عدوانية» وعن أن لدى واشنطن ما يكفي من الأسباب لإبداء القلق إزاء ذلك. فمن هناك سمع الأميركيون نجاد وكأنما يوجه باسم الحاضرين نقدا لاذعا بأن نظام الدفاعات المضادة للصواريخ الذي ستشيده الولايات المتحدة في أوروبا الشرقية يشكل تهديدا لأكثر من بلد، وأنه يهدد معظم أجزاء آسيا والدول الأعضاء في شوس.

وطبيعي أنه ما كان لأحمدي نجاد أن يعطى الفرصة لأن يتحدث بهذه الشاكلة لولا أن ذلك يأتي متسقا مع التوجه العام بتوجيه ما يشبه رسائل التحذير للولايات المتحدة مباشرة، وتجسيدا لما قاله بوتين من «إننا على قناعة بأن أية محاولات لحل القضايا العالمية أو الإقليمية بشكل منفرد لا تملك أية آفاق».

كل الدلائل تشير إلى أن هذه المنظمة ستلد حلفا سرعان ما سيكتسب قوة دفقه الذاتية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. ويحدث ذلك في وضع تشير فيه مؤشرات سوق الائتمان العقاري والاقتصاد الأميركي انحداره السريع نحو ركود كبير يهدد الاقتصاد العالمي برمته.

من كل النواحي نشهد أن أرضا خصبة لحل النزاعات من أجل إعادة اقتسام العالم عن طريق الحرب آخذة في التهيؤ. ومع القابلية الأيديولوجية لدى الإدارة الأميركية للنزوع نحو هذا الحل فإن العالم لا يبدو أكثر أمنا كما تقول هذه الإدارة ذاتها. ولعل في وجود قوة تغير وضع «القطب الواحد» المنافي لطبيعة الأشياء هو الضمانة ضد مثل هذا الخطر.

أما الضمانة الأهم بالنسبة لبلداننا فهي ألا تجد نفسها وقد زج بها في تحالف تكون فيه إيران مصطفة في الطرف الآخر، فنكون عرضة للانتقام.

لا أستطيع أن أترجم الشاعر الروسي إدوارد سيرفوز شعرا. لكنني أورد مضمون قوله : «عندما تمزق الحرب السكون ®. لا يصدق أنها ستنشر الوبال®. ويأمل كل ذاهب لذاك الأتون ®. أنه عائد من الحرب لا محال».

كاتب بحريني

href="ajnoaimi@gmail.com">ajnoaimi@gmail.com