تواصل الازمة السياسية التي تعصف بالعراق واستمرار عمليات القتل والتفجيرات والاغتيالات وظاهرة الجثث مجهولة الهوية التي باتت جزءا ثابتا في المشهد العراقي تكشف عن عمق الخلافات بين المكونات السياسية والحزبية وخصوصا داخل الائتلاف الحكومي المتصدع الذي انسحبت منه أو علقت عضويتها فيه اكثر من قائمة برلمانية وجاء التحالف الرباعي الجديد ليضع العراق امام مفترق خطير وحاسم وبخاصة ان ردود الفعل عليه (من داخل العراق) اكدت على انعدام قدرة هذا الحلف على الخروج من استحقاقات وأكلاف الازمة المتفاقمة لاتخاذه بل تكريسه لمفهوم المحاصصة الاقرب الى الصفقات منها الى محاولة جادة لتجاوز المرحلة الراهنة التي لم يصلها العراق وما كان ليصلها في الاساس لو أن القوى السياسية والحزبية قد ارتقت الى مستوى المسؤولية والتحديات التي تواجه بلدهم وألغت من قاموسها اللغة الطائفية والمذهبية والعرقية واعتمدت مبادىء المواطنة والكفاءة وسيادة القانون معيارا لتولي المنصب العام وتوافقت على المقاربات والآليات الديمقراطية التي تمنح للمواطن العراقي وليس للطائفة أو المذهب او العرق حق اختيار من يمثله في البرلمان.

لم يعد مهما الآن اعادة فتح الملفات وفتح الجروح والتمترس عند المسائل الثانوية التي لا تغير كثيرا في المشهد العراقي ولا تسهم بالتأكيد في اخراج البلاد من حال الفلتان والارهاب وانعدام الأمن وانهيار الخدمات والمرافق العامة، بل ان المطلوب الآن الاستجابة لكل مطلب مشروع يعيد للعراقيين وحدتهم ويحول دون تقسيم العراق وذهابه الى المجهول في ظل انباء متواترة عن قرب اتخاذ الادارة الاميركية قرارا بسحب تدريجي لقوات الاحتلال للالتفاف على قرار الكونغرس بسحب سريع وكامل لهذه القوات وخصوصا ان تقرير بتريوس - كروكر يوشك ان يصدر وسيشكل عند صدوره - أيا كان مضمونه وأيا كانت توصياته - بداية مرحلة جديدة اميركيا على وجه التحديد ولن يكون العراق بمنأى عن هذه التوجهات بل ان العراقيين سيدفعون الثمن في كل الحالات من ارواحهم واقتصادهم، نفطهم وبيئتهم.

آن الاوان لان يدرك العراقيون كافة، مكونات سياسية او تجمعات حزبية او تحالفات برلمانية، ان الوقت ليس في صالحهم وان استمرار الجدل والسجالات المندلعة منذ فترة طويلة لن يسهم الا في تعميق الكراهية والعداء ويحول دون حدوث المصالحة والتوافق الذي تأخر طويلا حيث لم يعد لدى العراقيين المزيد من ترف الجدل والسجالات و الكلام فيما بلدهم وشعبهم يذهب بتسارع نحو الفتنة الطائفية والمذهبية وفيما تزداد جرائم الارهابيين وارتكاباتهم الفظيعة وفيما تزداد شراسة لعبة الامم الدائرة الآن على ارضهم ومستقبلهم..

لن يخرج احد منتصرا من استمرار الازمة، وتقديم منطق المحاصصة والاغلبية العددية او البرلمانية على منطق المصالحة والتوافق وحماية المصالح العليا للشعب العراقي يعني هزيمة لكل العراقيين وانتحارا مجانيا.