عبر العالم الفيزيائي الشهير «آينيشتاين» في رسالة إلى الرئيس الأميركي «ترومان» قبيل وفاته عن ندمه الشديد بمشاركته العلمية في إنتاج القنبلة النووية الأميركية التي قتلت وأصابت مئات الآلاف من الشعب الياباني في الخامس عشر من أغسطس 1945.
كما قال في لقاء له مع الكاتب الصحافي الكبير «محمد حسنين هيكل» عام 1953 في واشنطن «إن أكبر ما يقلقني على مستقبل البشرية هو أن الإنسان استطاع اختراع الطاقة النووية التي هي أكبر من استطاعة الإنسان التحكم فيها». ومنذ القصف النووي الأميركي على «هيروشيما » و«ناجازاكي» في الحرب العالمية الثانية ثأراً من الهزيمة المهينة للأسطول البحري الأميركي على يد القوات الجوية اليابانية في معركة «بيرل هاربر» الشهيرة، والشعب الياباني يتذكر في كل عام هذه المأساة الإنسانية المروعة والتي تعتبر أفظع جرائم الحرب في التاريخ.
ورغم مرور 62 عاماً على تلك الجريمة الإنسانية الفظيعة مازال العالم يقف متعاطفاً مع الشعب الياباني ومديناً هذا الإفلاس الأخلاقي للعلماء والسياسيين وللعسكريين الأميركيين الذين سمحت لهم ضمائرهم صنع أسلحة الدمار الشامل.
ورغم أن الطاقة النووية كأي طاقة يمكن استخدامها سلمياً للتصنيع والتعمير مثلما يمكن استعمالها حربياً للترويع وللتدمير ، إلا أن الإدانة الأخلاقية تنصب على من يوظفون العلم من السياسيين والعسكريين لصناعة الشر لا لزراعة الخير ولزرع الموت لا لصنع الحياة.
ولهذا علمنا إسلامنا العظيم قبل اختراع كل أسلحة الشر تحقيقاً لمطامع الأقوياء الأشرار بواسطة علماء بلا أخلاق وساسة بلا ضمير وعسكر بلا عقل ولا قلب، أن ندعو الله ليل نهار «اللهم علمّنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا»، كما كان رسول الإنسانية يردد دعاءه الأثير «اللهم أني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ونفس لا تشبع».
ولأن الحلال هو كل ما ينفع الناس والحرام هو كل ما يضر الناس، حرم علماء الإسلام استخدام العلم للإضرار بالإنسان والبيئة الطبيعية وأحل استخدامه لحماية الإنسان والبيئة.
وهو ما ينطبق على الطاقة النووية بتحريم احتكارها أو استخدامها للأغراض العسكرية وتكريم استخدامها للأغراض السلمية، غير أن القوى الكبرى التي تحتكر التكنولوجيا النووية هي التي تحاول تعطيل نصوص اتفاقية الوكالة الدولية للطاقة النووية التي لا تمنع الدول الموقعة من الاستخدام السلمي للطاقة النووية فقط بل أيضاً تلتزم بمساعدتهم في الحصول على هذه الطاقة.
واللافت أن تطبيق هذه الاتفاقية يخضع لمعايير مزدوجة في المنح والمنع بضغوط دولية وأميركية تغمض العيون عن البرنامج النووي العسكري الإسرائيلي مثلا وتقيم الدنيا ولا تقعدها على البرنامج النووي السلمي الإيراني، وتعقد اتفاق التعاون النووي مع الهند بينما تهدد باكستان بضرب مفاعلها النووي إذا لم تساعدها في غزو أفغانستان، ثم هي تتحالف معها الآن للحرب ضد طالبان، والأغرب من ذلك كله أن كلا من إسرائيل والهند وباكستان لم توقع على الاتفاقية الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية!
ان هذه الازدواجية الأميركية التي تفقدها المصداقية تبدو مثيرة للاستغراب حين تعلن أمام العالم أنها تسعى لمنع انتشار السلاح النووي في العالم بينما هلا تملك فقط أكبر ترسانة سلاح نووي في العالم بل أيضاً تواصل تطويرها، حتى أن وزير الدفاع الأميركي صرح ذات مرة «بأن بلاده تملك من الأسلحة النووية ما يكفى لتدمير العالم عشر مرات».
فرد عليه وزير الدفاع السوفييتي ضاحكاً « بأن بلاده تملك من الأسلحة النويية ما يكفي لتدمير العالم كله مرة واحدة »!
وهذا يدل على أن السلاح النووي يمثل خطراً هائلاً على مستقبل البشرية، وان العالم أضحى كله عرضة للدمار الشامل إذا ما تسبب خطأ في الكمبيوتر المتحكم في الزر النووي لدى أي من رئيسي البلدين في إطلاق أي صاروخ نووي من واشنطن أو من موسكو.
لهذا كله سعى العقلاء والحكماء ودعاة السلام وحقوق الإنسان في العالم إلى الدعوة لتدمير كل أسلحة الدمار الشامل كما سعت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى تبني هذه الدعوة والتي نتج عنها اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية متوازية مع ضرورة التزام الدول الكبرى المالكة للسلاح النووي بتدمير ما تملكه من هذه الأسلحة الشريرة التي يجب تحريمها وتجريمها.