ثمة إجماع يكبر مع الأيام في إيران وان كان بشكل غير منظور وربما بعيداً عن الجدل اليومي، مفاده أن زمن «الإلغاء» للآخر محلياً كما إقليمياً كما دولياً قد ولى!
وإذا كان البعض من السياسيين «المحليين» سواء من أصحاب النظرة الضيقة أو من «حديثي النعمة» في عالم العمل السياسي لا يزالون يمارسون هذه اللعبة فإنهم رغم إقبال الزمان عليهم فإن لعبتهم هذه لا تجد جذابية في المشهد الإيراني العام حتى لو بدا صوتهم مرتفعاً أو بدت عصاهم غليظة لبعض الوقت! هذا الأمر ينطبق على الفريق الفعلي الحاكم كما كان ينطبق على الفرقاء الذين سبقوه في تولي سدة الحكم على حد سواء.
فإذا كان صحيحاً أن الطبقة السياسية التقليدية الإيرانية المعروفة بمعسكري «المحافظين» و«الإصلاحيين» قد خسرت آخر المعارك الانتخابية الكبرى أي معركة انتخابات الرئاسة لصالح الجيل الثالث من الشباب الثوري المتحمس بسبب «ترهل» العديد من قياداتها أو «استرخائها» أمام «هجمة» الخارج مما فتح المجال أمام ورود دماء جديدة من شاكلة الدكتور أحمدي نجاد إلى سدة الحكم وبالتالي ورود جيل جديد إلى مطبخ صناعة القرار الإيراني باندفاعه ملفتة فان الصحيح أيضاً بأن تجربة هذا الجيل الجديد في عالم السياسة .
وبالرغم من كل الدعم الذي يلقاه من القيادة العليا بسبب «نقائه الثوري» الذي تحتاجه القيادة في معاركها الخارجية الكبرى، لم تنضج بعد بما يعطي الاطمئنان الكافي للداخل على الأقل وان رجالاته لا يزالون تحت الاختبار بل ان بعضهم «يحبو» في مجالات عديدة وهو يثبت مع كل يوم يمر بأنه احوج ما يكون إلى تراكم خبرة الكبار وإلى مقولة ضرورة تواصل الأجيال!
هذا التدافع بين الأجيال الثلاثة للثورة والذي يجري على مستويات مختلفة في بطن النسيج الاجتماعي الإيراني هو الذي جعل ولا يزال تجربة ولوج أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة بما يشبه المفاجأة غير المتوقعة حتى من أكثر المتمرسين في العمل السياسي المحلي في إيران، محل جدل واسع هنا في الداخل كما هي محل انبهار وترقب في الخارج! تماماً كما كانت تجربة «تسلل» الدكتور محمد خاتمي رجل الدين الإصلاحي من الجيل الثاني إلى سدة الرئاسة ومطبخ صناعة القرار في نهاية تسعينات القرن الماضي، محل جدل داخلي واسع وانبهار خارجي ولو من نوع مختلف!
وإذا كان أحمدي نجاد قد ربح الداخل والخارج الشعبيين على الأقل في «القيامتين» القومية والدينية التي استطاع هو وحوارييه وداعميه أن يؤسسوا لهما في معاركهم الخارجية الكبرى ضد الاستكبار الأميركي ومشروعه المشؤوم المعروف «بالشرق الأوسط الجديد» وانه استطاع تجاوز الاختبار في هذا المجال إلا أن الآراء اليوم حول أدائه الداخلي لا سيما في الحقل الاقتصادي تبدو متضاربة إلى حد كبير بما يجعلها أشبه بالزاوية المنفرجة في الرأي والرأي المضاد!
فثمة حلفاء أساسيين له انسحبوا من جبهته مبكراً حتى قبل أن يكمل سنته الأولى وثمة من حوارييه من انسحب من معسكره الضيق وقرر أن يشكل تجمعاً أو طيفاً جديداً وثمة آخرين ممن ينتمون إلى طيفه المحافظ من قرروا الابتعاد عنه وعدم تبني كل طروحاته لا سيما الاقتصادية منها بالرغم من دعمهم إياه في المعارك الكبرى الداخلية والخارجية، واليوم يأتي انسحاب أو «استقالة» اثنين من وزرائه الاقتصاديين ـ النفط والصناعة ـ بالرغم من كونهما ليسا من «حوارييه» ليجعلا هذا الطيف الواسع من المختلفين حوله يصل إلى مداه الأوسع في إثارته للجدل!
إنه الاختبار الأهم الذي لم يتجاوزه بعد أحمدي نجاد! وهو الاختبار الذي يتوقع له أن يشتد صعوبة وقساوة كلما اقتربنا من الاستحقاق الانتخابي المهم القادم لإيران أي الانتخابات التشريعية في آذار مارس المقبل، لكن هذا الاختبار هذه المرة لن يكون لأحمدي نجاد وحده ولا لمعسكره الضيق المعروف مجازاً بالمحافظين الجدد ولا العريض المعروف بالمحافظين التقليديين فضلاً عن الإصلاحيين الذين لم يقدموا إسهاماً مهماً في هذا المضمار.
بل سيكون اختباراً للجميع أي لإيران كلها، إيران بأجيالها الثلاثة بل إيران المستقبل كل إيران! وهنا قد يكتب للتجربة الإيرانية بمرها وحلوها انها لا تزال تحتضن كل الأجيال ولم تنزلق بعد إلى خطر إلغاء طرف لصالح طرف آخر رغم خطورة الاختبارات التي مرت ولا تزال تمر بها!
هذا الاجماع حول انتفاء نظرية إلغاء الآخر لا ينطبق على الوضع الداخلي فحسب، بل ان الأمر تعدى ذلك ليشمل التعامل مع القوى الإقليمية وكذلك الدولية المختلفة. فإيران اليوم ليست إيران الأمس «المهمومة» فقط بتغيير خريطة العالم من حولها بما يتناسب وتصوراتها الكونية أو المبادئ المعلنة لثورتها مهما بدت عند قادتها بأنها «الأنموذج» الذي يجب أن يحتذى به!
وهو حق طبيعي لكل مدارس الحكم، لكنها باتت «مهمومة» كذلك بكيفية المواءمة بين ما تعتقده الأفضل والنموذج وبين ما هو موجود عند الآخر من نماذج وبالتالي التكيف أحياناً مع نماذج الآخرين وأحيان أخرى مواكبة إنجازاتهم وهو ليس فقط أمرا غير معيب بل عين العقل والحكمة في أحيان كثيرة!
من هذا المنطلق يمكن فهم تبلور منظومة مجلس تشخيص مصلحة النظام مبكراً في إطار توسيع دائرة الاستشارات القيادية و«التشريع» الاستثنائي عند الضرورة ومقولة تشكيل مركز التخطيط الاستراتيجي في إطار توسيع دائرة مطبخ صناعة القرار والتنوع في أشكاله! وكل ذلك يأتي في إطار ما صار يعرف بمثلث «العزة والحكمة والمصلحة» وهي الأضلاع التي تشكل حاضنة نظرية الإقرار بوجود الآخر المختلف والمتفاوت!
هذه الحاضنة النظرية و«التشريعية» والاجتهادية في الواقع هي التي تحمي وتدعم حركة التخاطب المتحررة من الايديولوجيا في العمل الدبلوماسي وهي التي تحمي مهمة المفاوضات الصعبة والعسيرة مع العدو حتى لو كان من نوع «الشيطان الأكبر» وهي القادرة على فك عقد الملفات المستعصية أو الملتبسة أو المعلقة لسنوات طويلة بين إيران وجيرانها من الدول الشقيقة والصديقة، إنه الاختبار الذي يجب أن ينجح به أحمدي نجاد وفريقه الحاكم بامتياز وفي غير ذلك فإنه قد يعرض مشروع الجمهورية والدولة القوية والحديثة للخطر الحقيقي!
وفي هذا السياق لا مجال لخوض التجربة من الصفر والتعلم عن طريق «امتحان الخطأ والصواب»! بل المطلوب انتهاج أسلوب مراكمة الخبرات وتجارب السابقين ممن يحبهم أو لا يحبهم وممن يقبلهم أو لا يقبلهم ويؤسس عليهم، لا على أنقاضهم!
كاتب إيراني