قمة الاتحاد الإفريقي التاسعة، قمة أكرا غانا التي عقدت في 31 يوليو كانت قمة الحلم المبكر تحقيقه بعد والمثالية المستحيلة والايديولوجيا المنقطعة عن الواقع، قمة الدعوة: دعوة البعض وتحديداً مجموعة صغيرة تقودها ليبيا والسنغال لإنشاء الولايات المتحدة الإفريقية، باعتبارها المرحلة الثالثة والأخيرة التي تتوج عملية البناء الإفريقي.

العملية التي بدأت مع إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963 ثم إنشاء الاتحاد الإفريقي عام 2000 والذي دخل حيز الوجود عام 2002 كخطوة اندماجية متقدمة عن المنظمة الأم. ان يكون النقاش صاخباً وحاداً أحياناً ومطولاً ومنهكاً وان يكون هنالك اتفاق فضفاض على المبدأ أو الهدف النهائي بإنشاء الدولة الفيدرالية الإفريقية .

وان تنشأ لجان أربع لدرس التوصيات المناسبة وان تعطى ستة أشهر للتقدم باقتراحاتها إلى قمة أديس أبابا القادمة في يناير2007، كلها عناصر لا تخفي حقيقة الأمر وهي أن الدولة الموحدة الواحدة مازالت بعيدة المنال وان النوايا الطيبة أو الحماس اللا محدود لا يصنع واقعاً جديداً، وان ترحيل الموضوع قد يتكرر مراراً مع كل قمة قادمة طالما أن الواقع الإفريقي بكافة تعقيداته مازال بعيداً كل البعد لا بل يزداد بعداً عن توفير المطالب أو الشروط المطلوب توفيرها لترجمة الحلم المستمر منذ أيام «الآباء المؤسسين» إلى واقع سياسي دولي.

إفريقيا الغنية بأرضها وما تخفيه من مصادر طبيعية شعوبها فقيرة وشبه معدمة ومجتمعاتها ممزقة. المشهد الإفريقي قاتم: دول فاشلة تزداد عدداً وأخرى مرشحة للدخول إلى نادي الدول الفاشلة. صراعات الهوية الأصلية تزيد من حدتها وتأججها حالة البؤس والعوز الاقتصادي وغياب التنمية ونهب ثروات المجتمع والفشل الذريع في حالات كثيرة وبدرجات مختلفة في بناء الدولة الوطنية الاستقلالية ونزاعات حدودية متفشية واختلاط عناصر التفجير والتوتير الخارجي البعيد والقريب بالداخلي بكافة أبعاده. إنها القارة التي سقطت أو أسقطت على قارعة الطرق السريعة للعولمة.

مشاكلها لا تملك دولها القدرة على حلها فرادى لأن هذه الدول أحياناً هي جزء من المشكلة أو لأنها منهكة وما زال بعضها في مرحلة ما قبل الدولة فعلياً ولا تملك قدرات الحد الأدنى المطلوب للتعامل الناجح مع التحديات التي تواجهها. إفريقيا مجموعة من الجروح النازفة من أبرزها السودان والصومال التي لا يمكن أن تعالج من خلال الضمادات. إفريقيا مازالت المنطقة الوحيدة في العالم التي لم تستطع بعد السيطرة على نموها الديمغرافي وإبطائه. النمو الذي من أسبابه الرئيسية حالة التخلف الاقتصادي الاجتماعي والذي يزيد بدوره من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للقارة.

إفريقيا أيضاً أرض المواجهة القادمة بين واشنطن وبكين. واشنطن تعيد اكتشاف أهمية إفريقيا كخزان نفط وطاقة وأيضاً كقاعدة جديدة للإرهاب. واشنطن رفعت من حدة الاهتمام بإفريقيا بعد سنوات من التجاهل لتعلن عن تشكيل قيادة عسكرية موحدة للقارة الإفريقية تتناسب مهامها والخطر الجديد الذي تمثله القارة السمراء، بكين التي تهتم بشكل خاص بالجغرافيا الاقتصادية، جغرافيا الطاقة والأسواق في إفريقيا، سرعان ما ستتحول حكماً إلى الاهتمام بالجغرافيا الاستراتيجية لحماية مصالحها وتعزيز موقعها إفريقياً وعبر إفريقيا في العالم. بذلك سيتشكل خط المواجهة في الغد بين واشنطن وبكين.

إفريقيا تشكل أيضاً مصدر قلق لأوروبا لهجرتها اللاشرعية الضاغطة في حين تتراجع الأدوار التقليدية ومعها الأوزان والنفوذ للقوى الأوروبية الاستعمارية سابقاً، وتحاول هذه الأخيرة عبر ورقة التنسيق الأمني فيما بينها والتعاون الاقتصادي التنموي مع إفريقيا الذي مازال عنواناً دون أي مضمون مؤثر، معالجة مشاكل إفريقيا التي في بعض منها مشاكل قائمة أو قادمة عند أوروبا.

الكل الإفريقي يتفق على أن المطلوب مقاربة تعاونية وشاملة افريقية وبدعم دولي دون شك كشرط ضروري للتعامل بنجاح وفعالية مع مشاكل القارة وهي مشاكل متزايدة ومتعددة، مترابطة ومتداخلة. في القمة الإفريقية برزت عدة توجهات جديرة بالاهتمام، أحدها يدعو لاعتماد مقاربة التعاون التدرجي في مجالات وظيفية أو قطاعية مختلفة، وتوجه ثانٍ يقول بسياسة المرحلتين في البناء الإفريقي:

مرحلة أولى تقوم على تعزيز الأطر التعاونية الإفريقية الفرعية أو التعاون بين المجموعات الصغيرة الأكثر تجانساً وتكاملاً فيما بينها وإقامة اطر تعاون من عدد محدود من الدول المهيأة لذلك لخلق دينامية تعاونية وتأسيس واقع تعاوني جديد قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية: مرحلة الوحدة الكلية. وبرزت مقاربة ثالثة تقول بتعزيز وتقوية مؤسسات ووظائف الاتحاد الإفريقي لتمكينها من قيادة عملية التوحد الإفريقي. مقاربات تلتقي وتتقاطع فيما بينها كما تعكس الوعي والإرادة ولو بدرجات متفاوتة بين أصحابها حول ضرورة العمل الإفريقي المشترك.

لعلها من المفارقات أن القمة الأوروبية انعقدت قبل أسبوعين من انعقاد القمة الإفريقية واتفقت على خفض طموحاتها والاكتفاء بما هو ممكن من اتفاقية مبسطة كبديل عن حلم مشروع الدستور الأوروبي الذي كان يفترض أن ينقل الاتحاد الأوروبي، النموذج الأغنى والأنجح والأكثر تقدماً في نماذج الاندماج الإقليمي، إلى مرحلة متقدمة من خلق أوروبا الموحدة. لكن اكتفي بما هو ممكن.

انه درس لا بد أن تتوقف أمامه إفريقيا: درس في الواقعية وفي الطموح الممكن حيث تصاغ الأهداف بشكل يتناسب والقدرات فتبقى للأهداف مصداقيتها وقدرتها على التحول إلى سياسات قائمة. وقد يتذكر حكماء إفريقيا وهم يبحثون في حلم الوحدة الإفريقية تلك الحكمة التي تقول إن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.

كاتب لبناني