طال انتظار وقف نزيف الدم المتواصل الذي يحصد أرواح الأبرياء في العراق بلا هوادة، حتى بات الأمن في ربوع أرض الرافدين وكأنه وهم وبعيد المنال.

طال الانتظار على وضع حد للاحتقان الطائفي الحاد الذي يصعب معه مداواة جراح هذا البلد العربي الكبير المنكوب الذي يخيم على أجوائه شبح فتنة سوداء تهدد كيانه الواحد، بل ويعيش شعبه أسوأ العصور على مدى تاريخه الحديث.

ما يجري على أرض العراق، يدمي قلوبنا جميعا. مأساة أرض الرافدين، تتطلب تحركا عربيا وإسلاميا ودوليا جادا لكي يسترد العراق أمنه واستقراره المفقودين.

وحسب مسؤول بالأمم المتحدة رفض الكشف عن هويته، يقال إن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون يعتزم الدعوة لعقد اجتماع بشأن مستقبل العراق إضافة لعقد جلسة لأعضاء اللجنة الرباعية التي تقوم بالوساطة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وهذان الاجتماعان تقرر مبدئيا عقدهما يومي 22 و23 سبتمبر قبل يومين من افتتاح الاجتماعات السنوية للدورة الثانية والستين للجمعية العامة التي يتحدث أمامها ملوك ورؤساء دول ورؤساء حكومات ووزراء خارجية.

وقد تحدث كي مون هاتفيا الى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي - الذي يعتزم المشاركة في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة - في هذا الشأن. والاجتماع الدولي المزمع سيناقش الميثاق الدولي بشأن العراق وهي مبادرة ترعاها الأمم المتحدة لتقديم مساعدات خاصة بإعادة الاعمار في مقابل إجراء إصلاحات ديمقراطية ودور مستقبلي للأمم المتحدة في البلاد.

ويعتمد الميثاق الدولي الذي نظمته الأمم المتحدة مع العراق - كما أشارت وكالة رويترز أمس- على الوفاء بشروط وتحقيق أهداف تتضمن إصلاحات تهدف الى منح السنة دورا أكبر في شؤون البلاد. وقيل أيضا إنه من المتوقع ان يناقش المؤتمر الخاص بالعراق تكليف مجلس الأمن حديثا للمنظمة الدولية بتوسيع دورها السياسي بما في ذلك تشجيع المصالحة بين طوائفه المتنافسة والحوار مع دول الجوار.

ما يقال عن هذا المؤتمر الدولي وما سيصدره من بيانات أو توصيات - كما هو معتاد في الاجتماعات المتعددة الاطراف- سيضاف الى جموع المؤتمرات التي أصدرت تلالا من البيانات والقرارات - سواء تلك المؤتمرات التي حملت صفة أو اسم «مؤتمرات دول الجوار»، أو غيرها من الاجتماعات واللقاءات الدولية التي تسفر دوما عن توصيات لم تطبق على أرض الواقع.

ان أي مؤتمر يدعى اليه بشأن العراق، لا جدوى منه ما لم تتصافى القلوب وتهدأ النفوس ويتوحد الوجدان والمشاعر بين كل الطوائف العراقية. حل نكبات العراق ومداواة جراحه وآلامه، يتوقف على أبناء شعب الرافدين أنفسهم أولا وقبل أي شيء آخر. فاذا اجتمع العراقيون على قلب رجل واحد، تلاشت كافة المخاطر التي تهدد كيان هذا البلد العربي العريق.

ولعل البيان الذي أصدره أول أمس جمع من العلماء والدعاة من جميع الأطياف والمذاهب الإسلامية من 15 بلدا، يحمل بعض الدواء الناجع الذي يداوي جراح العراق الشقيق.

فقد أشار الى حرمة قتل النفس البريئة مسلمة كانت أو مسيحية أو غيرهما من الطوائف الأخرى أيا كانت وان كل من يقتل نفسا بغير مقاومة مشروعة أو قصاص عادل أو حد من حدود الله يقيمه ولي الأمر فهو مرتكب لجريمة كبيرة واثم عظيم. ويؤكد هذا البيان الحكيم أيضا لمن شاء أن يتذكر، أن العقيدة الإسلامية السمحاء لا تجيز تكفير أحد من المسلمين وأهل القبلة وان جميع فتاوى تكفير المخالفين للمذهب أو الطائفة باطلة وليس لها مستند شرعي، وبالتالي فان سفك الدماء بناء على فتاوى التكفير يعد جريمة قتل متعمد.

إن ما يجري في العراق من سفك لدماء الأبرياء وتدمير للمساجد والمراقد ودور العبادة وتمثيل بالجثث ؟ حسب بيان العلماء المسلمين- يعد انتهاكا للمقدسات واستباحة للحرمات وان جميع المذاهب والطوائف الإسلامية بريئة ممن يرتكب هذه الجرائم.

أهاب بيان علماء المسلمين أيضا بالأمة وحكامها ودعاتها وجميع أطيافها وشرائحها ووسائل الإعلام أن تتحمل مسؤوليتها والعمل على إنهاء هذه الفتن التي تلبس ثوب الطائفية ونزع فتيلها قبل فوات الأوان وأن لا نعطي الفرصة لأعدائنا المتربصين بنا والذين لن يجدوا فرصة أعظم من فرصة الفرقة والنزاع.

نأمل أن يقرأ المصابون بالاحتقان الطائفي مثل هذا البيان، عسى أن يدركوا، انهم يضيعون الوقت في نزاعات وصراعات طائفية، تهدم ولا تبني. وعلى المحتقنين ان يسارعوا لإنقاذ وطنهم، حتى لا تستنزف قوى العراق ويتحول معظم شعبه الصامد العظيم الى جيش من اللاجئين.