في الوقت الذي تتكثف فيه المساعي الدبلوماسية للمساعدة في حل أزمات المنطقة سواء في فلسطين أو العراق أو السودان أو الصومال أو لبنان أو غيرها من مناطق الاضطرابات الخارجية منها والداخلية، تطفو على السطح بين الحين والاخر أزمات أخرى بين عواصم شقيقة ما كان لها ان تكون لا في هذه الأثناء ولا في غيرها.
فعلى الرغم من ان روابط الدين وأواصر اللغة وأزلية العلاقات بين دول المنطقة تاريخيا وجغرافيا جديرة بان تجعل من العلاقات الثنائية بين عواصمنا نموذجا يحتذى به، فانه من المهم ان نضع في الحسبان ايضا ان توقيت هذه الأزمات في هذه الآونة يضر ضررا بالغا بقضايانا المصيرية من جهة وبمصالح شعوبنا من جهة أخرى.
وهو الأمر الذي يحتم علينا التروي والحذر في الفعل وردة الفعل على السواء وخاصة ان المنطقة بالفعل انهكت بما فيه الكفاية، وعانت بما فيه الكفاية وسددت فواتير عديدة من الأرواح والأموال، ومن كل ما هو غال ونفيس.
ولأن دور جامعة الدول العربية كما هو واضح أصبح ينوء بحمل العديد من الملفات الساخنة منها والباردة، ولأن العديد من القضايا أصبحت في غير مقدور تلك المنظمة الاقليمية على حملها، فاننا نأمل ان يكون هناك بالفعل حكماء بين قيادات الصف العربي يتحملون عبء هذه الملفات التي ان تم احتواؤها مبكرا فسوف يختلف الوضع كثيرا.
فبالتأكيد سوف يكون هناك مستفيدون من ذلك التشرذم العربي، وسوف يكون هناك رابحون من تلك المشكلات التي لا جدوى منها، وسوف يكون هناك متفرجون ومبتهجون لهذه المشاحنات، بل سوف يكون هناك من يصب الزيت على النار في الوقت المناسب، وتظل الشعوب هي الذي تدفع الثمن وهي التي تعاني، وهي التي تتوارث الاحقاد والضغائن.
لقد كان الأولى بالقضايا العربية المصيرية منها وغير المصيرية ان تحل داخل البيت العربي وداخل الأسرة العربية الاسلامية، اما وقد أصبحنا شأنا مستباحا في الأروقة الدولية وعواصم صنع القرار، فان ذلك يقتضي انتفاضة دبلوماسية عربية تضع خطا أحمر أمام التجاوزات وتضع في الوقت نفسه آلية لحل الأزمات وتجعل من الصعب طفوها على السطح بهذه الصورة.
إن الأمر ليس بعسير بقدر ما هو حسن نوايا وليس بشائك بقدر ما هو قوة ارادة وليس بمستعص بقدر ما هو وازع ضمير يجب ان يشعر بالمسؤولية ويعي عظم الأمانة الملقاة على عاتق كل مسؤول، وخطورة الموقف في ظل ذلك الصراع مع القوى المعادية والتي جعلت مصادر أرزاقنا هدفا وديننا مثارا للتجاذبات وأجسادنا في مرمى نيران أسلحتهم.
ومن هنا فإن ما نأمله هو ان نعمل لغد أفضل من أجل ابنائنا مدركين لخطورة ما يحاك بنا، ونحن على يقين بان هذه الأمة التي افرزت الكثير من النجباء على مدى تاريخها الطويل لهي جديرة بان تفرز أيضا الكثير من الحكماء في الحاضر وفي المستقبل.
