رصيد الخلافات العربية كبير جداً، ولا تزال فوائضه أعلى النسب بين دول العالم، ولعل السيد الشرع حينما حاول استثارة المملكة ووضعها في لائحة الاتهامات لم يغير من الأمر شيئاً، وإن كان يعلم أن نقاط الضعف والقوة عند كل بلد موجودة.
لكن استغلال الخلافات كمصدر للأزمات، هو اختزال للحقيقة، ولعل خبرته السياسية والدبلوماسية يمكن أن تدله على مواقع الحقيقة، حيث المملكة لم تكن طرفاً بخلافات متجذرة بين العديد من الدول والمنظمات العربية.
وظلت تبادر لحل كثير من مشكلات دول "النفاثات في العقد" ولم يكن دورها إقليمياً عندما سعت إلى توفير جو إسلامي عالمي لإصلاح الخلل الناشئ مع قوى العالم، ومع ذلك فحتى ما جرى من السيد الشرع لا يغير من قناعات التوافق مع سورية، لأن العائد في النهاية يصب في المصلحة العربية، وقد شهدنا خلافات ماضية، تغيرت بتغير الظروف.
لبنان والعراق وفلسطين هي مثلث الأزمة بين الدول العربية وجيرانها وحل هذه المسائل المعقدة لا يأتي بتبادل الاتهامات، ولعل ما حدث في مواجهات نهر البارد بين فتح الإسلام والجيش جاء من يقول ان السعودية هي الممول والباني لتلك المنظمة لتضعها في مواجهة حزب الله كحزب سني في حين فضحت الحقائق هذا الاتهام وجردته وأبانت حقيقته.
ثم نأتي دائماً على أميركا والتبعية لها حين نجد الدولة العظمى تطل على أجوائنا من خلال طائراتها المدنية والعسكرية، وتجوب بواخرها التجارية، وبوارجها العسكرية كل مياهنا الإقليمية، ونبيع ونشتري بعملاتنا التي يغطيها الدولار، ونركض إليها في حروبنا وسلامنا، ومع هذا نعرف أن نواياها ليست سليمة، لكنها تقف أمامنا كدولة لا نستطيع شطب مصالحها، والتقليل من نفوذها عالمياً وإقليمياً.
نعود إلى الخلاف مع الشرع وليس مع سورية ونستغرب أن تتقاطع التصريحات بين رجلي سلطة هما نائب الرئيس ووزير الخارجية، ففي حين صعّد الأول من نبرة اتهامه يأتي تصريح وليد المعلم نقيض ما صدر من الشرع.
وبصرف النظر عن هذا التضارب أو توزيع الأدوار، فالمملكة لا تحتاج إلى مديح، ولا تقبل الاتهام الخالي من المسؤولية والمجرد عن الواقع، وحين سعت إلى مصالحة الفلسطينيين، وذهبت إلى لبنان بدعم معنوي ومادي، وحاولت مع رموز العراق بكل أطيافهم أن تكون وسيطاً أميناً لم تسعد بعض الدول بما فيها أميركا.
لكن واجباتها القومية والإسلامية فرضت عليها أن تكون ضمن تحمّل المسؤولية طوعاً، وليس بإذن من أحد، ولعلنا في هذا الوقت الذي تتصاعد فيه حالات التنافر التي وصلت إلى الاقتتال، نحتاج إلى صوت الحقيقة الشفاف وليس من الأخلاقي ولا الوطني أن تحاول أي دولة معاكسة الواقع برمي الاتهامات على غيرها، لأن الحصيلة واحدة بالخسائر والمكاسب لكل من ينطق العربية أو يعيش على أرضها..
