تعد العلاقات الأميركية الفرنسية واحدة من اعقد أشكال العلاقات التي طالما ربطت الولايات المتحدة بواحدة من أقوى الدول الأوروبية. هذا التعقيد كان يأتي من مدخلات العلاقة المعروفة في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو) او مجلس الأمن او قضايا قمة الدول الثماني الكبرى او مشاكل الاتحاد الأوروبي. كما ويأتي التعقيد في العلاقة من دراما القضايا الساخنة في العالم التي تشترك الدولتين في بلورتها او اتخاذ القرارات الأساسية فيها مثل قضية لبنان او فلسطين او العراق والسودان.

وطبعا لأننا لإنزال نعيش في عصر الزعامات لذا لا يمكن إغفال تأثير الخلفيات الفكرية لصناع القرار في العلاقة بين الولايات المتحدة وفرنسا فطالما كانت خبرة وكياسة وعقلانية شيراك بعيدة كل البعد عن تسرع وفوضوية وغرور الرئيس الأميركي بوش.

وربما هذا الأمر انعكس على طبيعة العلاقات بين الدولتين حيث لم يسمح شيراك لتاريخ بلاده وتاريخه الشخصي ان يتعرض للخطر على يد سياسات وحروب بوش الهوجاء التي لا طائل منها حتى ظل الافتراق والتنافر والنفور صفة العلاقات بين البلدين وكانت الحرب على العراق 2003 النقطة التي افترقت فيها السياستان الأميركية والفرنسية إلى أقصى الحدود حيث لا مناورة ولا تمويه في الموقف الفرنسي الذي جاء صريحا حاسما بالرفض القاطع ورفض المشاركة في اي شيء له علاقة بالحرب على العراق. وهذا بخلاف العديد من المواقف الأوربية التي أعلنت شيئا وأبطنت آخر.

الواقع أن العلاقات بين القوى الكبرى ليست قائمة على حسابات عابرة بل هي قواعد وأسس مبنية على اتفاقات ضمنية قوامها الحفاض على التوازن والتناغم والتحالف في كل المواقف، وبغض النظر عن الجوانب الشخصية والمعنوية. لذلك ان موقف شيراك من الإدارة الأميركية عد امراً متميزاً في العلاقات بين القوى الكبرى.

ولكن يبدو ان تشنج العلاقة بين الولايات المتحدة وفرنسا كان مدخلها الاساس الشعور الفرنسي بان إدارة بوش تسعى إلى السير في طريق منحرف في إدارة القضايا الدولية توجهه الشعور بالقوة المفرطة والتفوق وانعدام المنافس وإمكانية الحصول على التحالفات وتشكيل الائتلافات الدولية.

وبخبرة شيراك الذي يعتبر وريث جيل الاعتدال والإيمان المطلق بان أوروبا الموحدة المتفوقة الراقية يجب أن تكون بعيدة عن القوة الغاشمة التي ليس لديها سوى مصير واحد هي أنها تدمر ذاتها وتدمر المتحالفين معها. ولكن أفكار شيراك ومدخل الأخلاق في إدارة العلاقات الدولية لم يكن كافيا لحل أزمات فرنسا وتدهور اقتصادها.

وبالتالي يبدو أن فرنسا فعلا قد اختارت التغيير كما قال ساركوزي الرئيس الفرنسي الجديد أو ربما اختار هو التغيير لفرنسا حيث قال ساركوزي إن الشعب الفرنسي اختار التغيير وإنه سوف يستخدم التفويض الذي منح له لاحداث هذا التغيير. كما وانه أوضح بصراحة موقفه من شيراك حيث نأى بنفسه عن حكم جاك شيراك وأعلن انه لا يعتبر نفسه وريثا لأحد. وقال إن فرنسا جمهورية، ولا يمكن لأحد أن يرثها.

ومن الملفت ان خصوم ساركوزي في اليسار يشيرون بسخرية إليه بوصف «المحافظ الجديد الأميركي»، ولكن يبدو ان هذا الوصف الساخر لم يكن عرضي بل كان تعبيرا إلى أن أول خيارات ساركوزي ستكون إصلاح التحالف مع الولايات المتحدة وهو بذلك يعبر عن تأثره بالتجربة البريطانية حيث ان تحالف بريطانيا مع الولايات المتحدة خلص بريطانيا من جملة مشاكلها الاقتصادية الخانقة وذلك بفعل عاملين أساسيين:

1ـ تنشيط تجارة السلاح التي أضحت لا تتم بشكل مجدي دون أن تمر بوساطة النفوذ الأميركي في المناطق الساخنة.

2- قوة رأس المال الأميركي وقدرته على تمويل الاستثمارات المربحة في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.

وعليه فان لقاء ساركوزي بآل بوش ذلك اللقاء الحميم كان الصفحة الأولى لعلاقة تعاون وتحالف جديد قوامه الحاجة المتبادلة الملحة بين الطرفين. فرنسا بحاجة إلى انتشار الولايات المتحدة في العالم والولايات المتحدة بحاجة إلى نوع آخر من الحلفاء الأقوياء الذين يمدون قوة الولايات المتحدة بديمومة ضرورية.

بوش انتهز الفرصة ليوضح بصراحة النقطة التي تربط بين الطرفين وهي ذاتها التي فرقت بينهما الا وهي العراق، حيث صرح في مطلع اللقاء ان علاقات صداقة تربط الولايات المتحدة وفرنسا على الرغم من الخلافات التي وقعت بين البلدين أبان الحرب على العراق. وهنا في اعتقادنا يكمن جوهر اللقاء الذي سرعان ما استوعبه ساركوزي ورد بالقول إن العلاقات الأميركية الفرنسية هي اشبه بالعلاقة بين افراد عائلة واحدة لا يتوافق أفرادها دائما على كل الأمور، لكن ذلك لا يمنع أن يكون هناك علاقة صداقة.

وأضاف الرئيس الفرنسي انه «معجب بالولايات المتحدة بلاد الحرية والديمقراطية».

كما أشار إلى أن معارضة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك لحرب العراق كانت قد أدَّت إلى تراجع العلاقات الفرنسية-الأميركية إلى أدنى مستوى لها. إلاَّ أن ساركوزي أكَّد بوضوح أنه سيتبنى موقفا أكثر تأييدا للولايات المتحدة.

إذن فرنسا ساركوزي ستكون حليف أميركا الجديد وربما أكثر من ذلك خاصة وان طموح ساركوزي ـ المعجب سلفا بنابليون ـ يبدو انه يتوافق كثيرا مع طموحات إدارة بوش وبناء عليه قال توني سنو، المتحدث باسم البيت الأبيض: «يبدو أننا على مشارف مرحلة جديدة من العلاقات مع الفرنسيين، وهذا شيء طيب».

علاقات ساركوزي وإدارة بوش أعطت أيضا إشارات واضحة لأوروبا الموحدة مفادها ان فرنسا ربما لن تكون مطلقة الولاء لاوربا وان ولائها الأول سيكون لفرنسا ومصالحها العليا. وبالتالي فان عهد التسعينات قد تغير واليوم فرنسا تعيش أزمة كبيرة وعلى مختلف الصعد لذا فهي لن تناور على علاقات اوروبا الدفاعية أو الاقتصادية بقدر مناورتها على إعادة الاستقرار والرفاهية للاقتصاد الفرنسي. اذن فرنسا ساركوزي حدد موقفها وربما هذا ما دعا بوش إلى القول «الشيء الجيد حول ساركوزي هو أنَّك تعرف أين يقف».

فرنسا ساركوزي وإدارة بوش أعلنا عن صداقة جديدة وعهد جديد من العلاقات الأميركية الفرنسية ربما ستتفوق حتى على تحالف ميتران مع ادارة جورج بوش الاب التي بلغت ذروتها في إحداث حرب الخليج الأولى عام 1991. انه عهد جديد من التحالف النشط الذي ستلوح معالمه في المستقبل القريب وسوف تتوضح مدياته عندما يمرر على الساحة العراقية التي تحتاج فيها الولايات المتحدة فعلا إلى حليف جديد. وربما في الختام لابد أن لا ننسى أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى كسب حليف جديد على وزن فرنسا دون أن يكون في نيتها أن تعلن حربا على عدو قائم.

كاتبة عراقية