تأتي التهويلات الإسرائيلية بشأن امتلاك سوريا لترسانة من الأسلحة الصاروخية في سياق الهجوم السياسي الذي ما برحت تل أبيب تطلقه ضد دمشق وقوى المقاومة بشكل عام، وفي ظل تسريبات إسرائيلية متتالية عن تحفز عسكري سوري لإشعال النيران في المنطقة.
ومن الواضح أن الأغراض السياسية لإسرائيل من إثارة الموضوع المشار إليه، تأتي في إطار الجهود الأميركية التي لم تتوقف لإحداث المزيد من الضغط على دمشق بالرغم من حالة الانفصام التي باتت تحكم السلوك الأميركي تجاه سوريا، فالإدارة الأميركية التي مافتئت تندد وتهدد دمشق من جهة تتوددها للتنسيق الأمني في العراق من جهة ثانية.
إن الدوائر العسكرية الإسرائيلية تروج الآن بأن سوريا تمتلك أكبر وأحدث أنظمة الصواريخ الدفاعية في العالم، وتبدي تخوفاً مما تسميه ترسانة السلاح الصاروخي السوري من طراز سكاد بي، سكاد سي ـ خصوصاً الصواريخ البالستية الروسية المعدلة كما تدعي المصادر الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، والتي يمكن لها ميدانياً بعد تحميلها بالرؤوس الكيماوية أن تغطي كامل مساحة الدولة العبرية الصهيونية.
لكنها بالمقابل لا تسألها الإدارة الأميركية ولا تسأل نفسها عن الترسانة الصاروخية الضخمة التي تعتبر جزءاً من ترسانة العتاد الإسرائيلي خصوصاً من صواريخ حيتس ـ يريحو وأجيالها. فضلاً عن صاروخ «حيتس ـ السهم» المضاد للصواريخ الذي جاء كثمرة من ثمار التعاون العسكري الأميركي الإسرائيلي.
والأخطر من هذا، فإن صاروخ حيتس، ورد في النصوص الخاصة بالتعاون العسكري الأميركي ـ الإسرائيلي كملحق في برنامج «حرب النجوم ـ أو ما يسمى حرب الكواكب» أو ما يطلق عليه البعض «خطة الدفاع الإستراتيجية للرئيس ريغان»، وأوكل العمل لإنجازه إلى الفريق المشترك من البنتاغون وقسم «حوما» في الصناعات الجوية العسكرية الإسرائيلية، بتمويل وصل إلى حدود مليار ونصف دولار يغطيه الجانب الأميركي بشكل رئيسي، فيما تم التطوير التكنولوجي على يد الصناعات الجوية العسكرية الإسرائيلية في بئر يعقوب جنوب فلسطين المحتلة.
كما أن ترسانة السلاح النووي الإسرائيلي والغموض المخيم على البرامج النووية الإسرائيلية يشكلان مصدر رعب وقلق ليس لسوريا فقط بل لجميع الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط وعلى محيط دائرة واسعة تصل إلى الباكستان شرقاً وشمال أفريقيا غرباً. ما يعني صعوبة التوصل إلى سلام شامل مع بقاء الترسانة النووية الإسرائيلية، حيث تعتبر إسرائيل الدولة الخامسة من حيث امتلاكها السلاح النووي بعد كل من الولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، والصين.
وفي حقيقة الأمر فان سلاح الردع الصاروخي السوري التي تبالغ تل أبيب في تضخيمه لا مجال لمقارنته بالسلاح النووي الإسرائيلي، فالسلاح الصاروخي يشكل سلاح ردع متواضع مقابل القدرة النووية الإسرائيلية المرعبة، التي أضحت تفوق (200 ـ 300) رأس وقنبلة نووية معظمها محمول على متن قاذفات مقاتلة أميركية الصنع ترابط في مخابئ محصنة تحت الأرض في قاعدة تل نوف المبنية على أنقاض قرية عاقر الفلسطينية بالقرب من مدينة الرملة وسط فلسطين المحتلة عام 1948، وعلى صواريخ يريحو بأجيالها المختلفة والقادرة على الوصول إلى دائرة قطرها 1480 كيلومترا، فضلاً عن تحميلها على صواريخ لانس الأميركية ذات المد الأقصر والموجودة في إسرائيل منذ العام 1976.
فالدولة العبرية الصهيونية تمتلك نحو 20 صاروخاً نووياً، عدا عن تطويرها ما يعرف بالقنبلة الحقيبة، إضافة لامتلاكها 31 قنبلة بلوتونيوم، و112 قنبلة برأس حربي صغير، وهذه القنابل والرؤوس النووية قادرة على إلحاق دمار شامل في الشرق الأوسط وفق اغلب المصادر الدولية المعنية.
ومؤخراً قامت إسرائيل بتعديل صواريخ كروز حصلت عليها من الولايات المتحدة بحيث تستطيع حمل رؤوس حربية نووية في غواصاتها معطية هذه القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط القدرة على إطلاق أسلحة نووية من البر والجو ومن تحت البحر، حسبما قاله مسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي بوش الابن وفي إسرائيل. وهذه القوة البحرية التي لم يكشف عنها من قبل تعزز إمكانيات إسرائيل النووية. وقد أفصح عن هذا الحدث مسؤولان كبيران في إدارة بوش عن خطوة تعديل الصواريخ هذه كما أكدها مسؤول إسرائيلي.
من جانب آخر، إن الدولة العبرية الصهيونية مازالت إلى الآن ترفض الانضمام إلى الوكالة الدولية للطاقة الذريةـ الهيئة الدولية المعنية بالإشراف على المفاعلات النووية ومراقبتها، وبالتالي فان منشآتها النووية غير خاضعة للتفتيش الدولي. في الوقت الذي كررت فيه سوريا أكثر من مرة على لسان الرئيس بشار الأسد دعوتها لإخلاء المنطقة من أسلحة التدمير الشامل.
كاتب فلسطيني ـ دمشق