ما من شك أن نيكولاي غوغول أحد أبرز أئمة النص السردي وفن القص. في قصة «الأنفس الميتة» للكاتب. في عصر القنانة في روسيا. يستمد الإقطاعي مالك النفوس. مكانته الاجتماعية، من عدد الأنفس المسجلين على اسمه. لكن أحد السادة المالكين. ولضيق ذات اليد عنده وقلة الأنفس، كان يلجأ إلى شراء الأسماء المتوفين من نظرائه الملاك ونسبتهم إلى اسمه. كي يحافظ على مكانته الاجتماعية.
كذلك الأخوة في فلسطين، الذين يشنون حملتهم ضد فلسطين كلها. إذ لم يكتفوا بتشويه سمعة فلسطين والشعب الفلسطيني في العالم. بل إنهم يتاجرون اليوم بضمائرهم. وستبقى شاهدة على أفظع الممارسات الرهيبة في زمن حرب أهلية، تعود نذرها لتلوح في الأفق.
فعلى غرار رئيس وزراء الكيان الصهيوني أولمرت ووزيرة خارجيته ليفني، يتبارى العديد من المسؤولين الصهاينة للحديث عن وجود فرصة متاحة أمام الفلسطينيين لإنجاز اتفاق سياسي مع الدولة العبرية، هذا التفاؤل الصهيوني يواكبه جملة من التصريحات للعديد من أركان الدولة العبرية، عن رؤية الكيان الصهيوني لذلك الحل المنشود، الذي ينطلق من رؤية بوش أولمرت المشتركة التي تقول بعدم انسحاب قوات الاحتلال إلى حدود الخامس من يونيو 1967 وبشطب حق العودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.
فقضية اللاجئين الفلسطينيين التي حاول الراحل عرفات حسب المصادر الصهيونية، أن يخلدها أصبح بالإمكان الآن إزالتها من جدول الأعمال اليومي ومن المباحثات المستقبلية حول الاتفاقات الدائمة مع الفلسطينيين بعد رحيله، والحل كما تراه الدوائر السياسية في الدولة العبرية يقضي بتوطين اللاجئين في غزة والضفة وسوريا ولبنان، على أن يمول المجتمع الدولي خطة لتحسين أوضاع اللاجئين في غزة بداية، وبعد ذلك في الضفة ثم لاجئي سوريا ولبنان.
وفي ذات السياق يحاول أولمرت وبوش قبل نهاية الخدمة، أن يرسما ملامح أي اتفاق فلسطيني إسرائيلي بالقول: إن حق العودة خيالي وغير واقعي، والدولة العبرية ستبقى دولة لليهود فقط، وبالتالي على المجتمع الدولي إعادة تأهيل المخيمات، لتكون هي المستقر النهائي لحق العودة، فيما يذهب الصهيوني ليبرمان إلى المطالبة بتدمير الفلسطينيين.
وإرسالهم إلى الجنة وتدمير المخيمات، باعتبارها الشاهد الدائم على وجود حق العودة، لتأتي بعد ذلك تلك المفارقة. ويبدو أن كلام أولمرت هو ما يفترض أن يكون عليه لسان حال المفاوض الفلسطيني، حيث يجب أن يكون الألم الحقيقي وفق التصور الإسرائيلي الأميركي لمفهوم حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ولذلك فإن قضية اللاجئين عطفا على كل هذا الضجيج الإسرأميركي، بعد إفراغها من بعدها القانوني الحقوقي والسياسي، لا تعدو أن تكون قضية إنسانية. يمكن حلها عبر تحسين ظروف عيش هؤلاء اللاجئين في أماكن الشتات المختلفة، وربما يتم السماح لعدد محدود منهم بالعودة إلى مناطق الكيان الفلسطيني المقترح في غزة وما بقي من الضفة، وربما يتم السماح لعدد محدود منهم بالعودة إلى مناطق الكيان الفلسطيني المقترح في غزة. وما بقي من الضفة بعد التهام جدار الفصل العنصري نسبة كبيرة منها.
هنا من حقنا القول إن حديث محمود عباس يحتاج إلى صحيح القراءة عندما يتحدث عن رفض فكرة التوطين للاجئين الفلسطينيين، وعن حقهم في العودة إلى الوطن، ليصبح السؤال أي وطن هو المقصود أن يمارس اللاجئ من خلاله حق العودة؟ هل هو الوطن بمفهوم الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع؟ أم هو ذلك الجزء من الوطن الفلسطيني التاريخي الذي اعتبرته اتفاقية أوسلو وقفا على الكيان الصهيوني دون غيره والذي هو وفق قرارات الشرعية الدولية هو وطن اللاجئين الفلسطينيين.
إن حديث محمود عباس عن حق العودة للوطن، يحمل محاذير التباس المفاهيم، ومن ثم اختلاف القراءات والنوايا، فالقراءة السياسية التي تتكئ على أن حق العودة هو حق أصيل وثابت للفرد والمجموع الفلسطيني اللاجئ تفهم الوطن كما جاء في نص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة والقاضي بحصر مفهوم هذا الحق في «العودة إلى ديارهم التي هجّروا منها»، وليس إلى أي مكان آخر.
ومن ثم فإن حق العودة له مفهوم واحد لا غير، وهو لا يحتمل فوضى المفاهيم، خاصة في ظل هجوم حملة العلاقات العامة الإسرائيلية التي تجد أن كلفة الانسياق وراء تلك المفاهيم الملتبسة التي تحمل معنى شطب قضية اللاجئين سيكون باهظا.
إن وحدة الموقف حول مفهوم حق العودة كما أقرته الشرعية الدولية. هو مفتاح وكلمة السر لأي حل يمكن أن يجري الحديث عنه، وإلا لن يكون هناك من حل على الإطلاق في ظل مناخ سياسي فلسطيني يغلب عليها التخاذل والضعف، وكأنه كان ينتظر غياب الراحل عرفات حتى يتحلل من التزاماتها «المعنوية» تجاه القضية الفلسطينية، والشواهد على ذلك أكثر من كثيرة.