قيل الكثير عن «سياسة فرنسا العربية» للرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك انطلاقا من الخطاب الذي ألقاه بجامعة القاهرة في شهر أبريل 1996. وبـ «القياس» يمكن اليوم الحديث عن «سياسة فرنسا الإفريقية» في ظل نيكولا ساركوزي، انطلاقا أيضا من الخطاب الذي ألقاه في جامعة «انتا ديوب» بداكار عاصمة السنغال. إنه خطاب أثار الكثير من النقاشات وردود الفعل «المتحمسة» أحيانا و«الغاضبة» أحيانا أخرى، هذا عندما لم يثر الكثير من «الشجون».
كانت الزيارة الأولى التي قام بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، بعد انتخابه في شهر مايو الماضي، هي إلى الجزائر وتونس، بالطبع بعد الزيارة التي يقضي بها «العرف والتقاليد» بزيارة ألمانيا التي يقوم بها كل رئيس فرنسي بعد انتخابه، وزيارات أخرى داخل نطاق الاتحاد الأوروبي.
ثم جاءت بعد ذلك زيارته إلى إفريقيا «السوداء» ابتداء من السنغال ثم الغابون، وبعد محطة سريعة في ليبيا حيث التقى بالعقيد معمّر القذافي ووقعا اتفاقا حول التعاون النووي «المدني» تقوم فرنسا بموجبه بتسليم ليبيا مفاعلا نوويا بغرض تحلية مياه البحر.
استفاد الرئيس الفرنسي من المناسبة، كي يوجّه رسالة للعالم العربي عندما قال: «إن اعتبار العالم العربي لا يملك من الحكمة ما يسمح له بامتلاك التكنولوجيا النووية المدنية يمكن أن يؤدي إلى حرب حضارات». إيران، معنية بهذه الرسالة أيضا.
هذا الاهتمام بالعالمين العربي والإفريقي يستجيب، في الواقع، لرؤية استراتيجية فرنسية كان الجنرال شارل ديغول، مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة عام 1958، قد أكّد عليها كثيرا. وخلاصتها أن دور فرنسا على المسرح الدولي يرتبط إلى حد كبير بـ «حضورها» في هاتين المنطقتين.
وقد حافظ الرؤساء الفرنسيون، بعد الجنرال، على نفس التوجه، وعلى الإيقاع الدوري للقمم الفرنسية ـ الإفريقية التي كانت القمة الأخيرة منها هي الرابعة والعشرين خلال شهر فبراير الماضي وحضرها الرئيس الفرنسي السابق قبل شهرين فقط من نهاية فترته الرئاسية واستحق فيها بجدارة لقب «شيراك الإفريقي».
بدأ الرئيس نيكولا ساركوزي، كما كان قد فعل شيراك بعد انتخابه رئيسا عام 1995، جولته الإفريقية بزيارة السنغال. استقبله الرئيس عبدالله واد بنفس الحفاوة «الشعبية» التي استقبل بها سابقيه. كانت الجموع مصطفّة بـ «دافع ذاتي» على جانبي الطريق من مطار داكار حتى القصر الرئاسي.
تجدر الإشارة إلى أن العلاقات الفرنسية ـ السنغالية جيدة تاريخيا من ليوبولد سنغور، الرئيس الشاعر، حتى عبدالله واد، الرئيس الحالي، ومرورا بعبدو ضيوف الذي يترأس اليوم منظمة الفرنكوفونية. وكانت السنغال عامة في صف الداعمين للمواقف الدبلوماسية الفرنسية على الساحة الدولية.
أراد نيكولا ساركوزي أن تكون زيارته لإفريقيا تحت عنوان عريض تلخّصه جيدا كلمة «المسؤولية». مسؤولية الكل حيال الكل ومسؤولية كل طرف حيال ذاته. وقد حرص، مثل جميع الرؤساء الفرنسيين، على أن يقدم نفسه كـ «صديق لإفريقيا» وأنه «يحبها» ويسعى للمساهمة في «تنميتها». ثم إن هذه التنمية تشكل، برأيه، إحدى بوابات الحل بالنسبة لمشكلة الهجرة التي تثقل على فرنسا.
لكن الرئيس الفرنسي يدرك أن أوروبا عامة، وفرنسا خاصة، تعاني في علاقاتها مع القارة الإفريقية من «جرح» الاستعمار، وقبله «جرح» تجارة العبيد التي استمرت لعدة قرون وحيث كانت شواطئ السنغال هي أحد مراكز التجميع الرئيسية للأفارقة قبل «تصديرهم» إلى العالم الجديد «أميركا».
تحدّث ساركوزي في خطابه بالسنغال بجرأة عن هذا الموضوع. واعترف أن «الاستعمار كان خطأ كبيرا في إفريقيا»، لكنه لم يتردد في التأكيد أيضا أن «الاستعمار ليس مسؤولا عن كل المصاعب التي تواجهها إفريقيا حاليا وليس مسؤولا عن الحروب الدامية التي يقتتل فيها الأفارقة بعضهم ضد بعض»، وليس مسؤولا عن «مجازر الإبادة» و«الديكتاتوريات» و«التزمت» و«الفساد والتبذير والنهب».
ولم يتردد في التأكيد أيضا أنه كان للاستعمار «جوانبه الإيجابية»، ولذلك طالب بالتوقف عن «تسويد صفحة الماضي». فإذا كان الغرب قد «ارتكب الكثير من الجرائم والمظالم» فإن ذلك كان بدافع الصلف والجهل «لكن» أغلبية أولئك الذين يمموا شطر الجنوب لم يكونوا وحوشا ومستغلّين. والكثيرون منهم بذلوا طاقاتهم في بناء الطرق والجسور والمدارس والمستشفيات».
وما أكّده الرئيس الفرنسي هو أن سياسته حيال إفريقيا تقوم على أساس «القطيعة». «القطيعة» مع ماذا؟، نقرأ في بعض ما جاء من مقابلة له مع الصحافة السنغالية بمناسبة زيارته الأخيرة قوله بضرورة الانتهاء من «الشياطين القديمة ونزعات المحسوبية والأبوية وسياسات المساعدة». وأيضاً ضرورة «التخلص من شبكات تعود إلى زمن مضى وانقضى، ومن المبعوثين شبه الرسميين الذين يخترعون مهمات على قياسهم».
هذا يعني إذن التأكيد على الدور السياسي والدبلوماسي وليس على مهمات «الظل». كإشارة سريعة هناك العديد من الشخصيات السياسية الفرنسية الذين عُرفوا أنهم «رجال إفريقيا» لدى الحكومات الفرنسية المتعاقبة، والتأكيد أيضا على التعامل مع الأنظمة حسب طبيعتها «الديمقراطية» أو «الديكتاتورية» وليس مع الأشخاص على قاعدة الولاءات الشخصية.
وإذا كان في مثل هذا القول نوع من التلميح «الصريح» إلى طريقة تعامل الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك مع إفريقيا، فإنه في الواقع لا يخفي واقع أن هناك «استمرارية» حقيقية لطريقة التعامل تلك. إنها «قطيعة» في إطار الاستمرارية إذن.
ولم ينس ساركوزي أن يؤكد أنه ليس هناك أي بلد آخر من بلدان الشمال الغنية قد قدّم لإفريقيا ما قدمته فرنسا، وفيما هو أبعد من إعلان «الود» و«الصداقة» و«المحبة» حيال القارة السمراء، لم يغب عن ذهن الرئيس الفرنسي مفهوم المصلحة، وهو مفهوم عقلاني «بامتياز».
إنه يدرك جيدا أن هذه المصالح مهددة بسبب بروز منافسين جدد أقوياء، على رأسهم الولايات المتحدة والصين. وبما أن «مصلحة الدولة» تعلو على جميع العواطف، وغالبا على جميع «المبادئ»، دعا الرئيس ساركوزي أوروبا كلها ـ وهو يقصد ضمنا وأساسا فرنسا ـ كي تكون لاعبا رئيسيا، كما كانت منذ قرون، وعدم الاكتفاء بدور «الكومبارس».
وكان قد قال في مقابلة له تعود إلى شهر نوفمبر 2006 ما مفاده: «بدأت أميركا والصين بغزو القارة فإلى متى ستنتظر أوروبا كي تشارك في بناء إفريقيا الغد؟! إن الآخرين يتقدمون في الوقت الذي ما زالت أوروبا تنتظر».
لعله من المفيد هنا الإشارة إلى بعض الإحصائيات «ذات الدلالة» فيما يخص المبادلات الاقتصادية الفرنسية مع إفريقيا. وعلى عكس ما يظنّ، كانت محصلة هذه المبادلات «إيجابية» بالنسبة لفرنسا عام 2005 إذ حققت فائضاً مقداره 3 مليارات يورو أي نفس ما حققته مبادلات فرنسا ـ أميركا.
بينما كانت مبادلات فرنسا ـ أوروبا سلبية بواقع عجز 18 مليار يورو ومع آسيا بمبلغ 22 مليار يورو. وللإشارة فقط بلغت أرباح شركة توتال الفرنسية من النفط الغابوني لعام 2005 رقما قياسيا إذ وصلت إلى 12 مليار يورو. مصلحة الدولة كانت وراء «جدولة» زيارة الرئيس الفرنسي للرئيس الغابوني منذ 40 سنة عمر بونغو، مع أنه ليس «مولعا» بالديمقراطية.
لقد طالب ساركوزي إذن بنسيان الماضي وتبنّى خطابا «تحديثيا» في داكار ضمّنه الخطوط العريضة لما ستكون عليه سياسته في إفريقيا. لكن لا يبدو أنه قد أقنع سامعيه. هذا ما أظهرته ردود الفعل «المتحفظة» هذا إذا لم تكن «المناوءة» التي عبّرت عنها الصحافة المحلية تعليقاً على خطاب الرئيس الفرنسي، لاسيما قوله ان «الإنسان الإفريقي لم يدخل بدرجة كافية في التاريخ». وقد جاء في بعض عناوين الصحف السنغالية الكبرى: «ساركوزي يلقي الدروس»، و«ساركوزي للأفارقة: كفّوا عن التباكي»، و«في مهمة تحضيرية». الخ.
من المؤكد أن نيكولا ساركوزي لم يقل فقط في إفريقيا ما يريد أن يسمعه محدثوه. مرحلة جديدة. ورئيس جديد. وأسلوب جديد. والمستقبل وحده سوف يحكم.
كاتب سوري ـ باريس