من هو المنتصر ومن هو المهزوم؟ الاول هو من يشعر بأنه منتصر والثاني هو من يشعر بأنه مهزوم، الاول هو من يحتفل بالنصر والثاني هو من يواصل تبرير الاخفاق، الاول هو من يدفع ثمن الحرب مقابل تحقيق أهدافه أو على الاقل يمنع المعتدي من تحقيق أهدافه، والثاني هو من يدفع ثمن الحرب مقابل الفشل في تحقيق كل أهدافه أو أي منها.

والنصر هو أن يقتنع عدوك أنه غير قادر على الانتصار عليك، والهزيمة أن تشعر أنك غير قادر على مواصلة النضال وتفقد الامل في تحقيق النصر، أن ينكسر سلاحك أو يستشهد الكثير من رجالك أو تدمر بناياتك ليس بهزيمة، لكن الهزيمة أن تنكسر إرادتك أو يستسلم من تبقى من رجالك، أو تدمَّر ثقتك بنفسك.

وفي زمن لم تعد تستطيع فيه القوة العسكرية وحدها حسم الصراع يكون للهزيمة أو النصر معنى آخر حيث في الحروب الحديثة أصبح من المستحيل أن يكون فيها منتصر أو مهزوم، بل الكل فيها غير منتصر وغير مهزوم.

في زمن تستطيع فيه أعتى الامبراطوريات أن تبدأ حربا لكنها تعجز أن تنهيها، أو تحتل أرضاً لكنها تعجز عن إخماد المقاومة فيها، أو تقتل العديد من مقاوميها، لكنها تعجز عن قتل روح المقاومة لدى شعبها، أصبح شن الحروب نوعاً من العبث بل نوعاً من الجنون.

وحدها الحرب الدفاعية لرد عدوان المعتدين تصبح حرباً مفروضة لا مفر من خوضها، وحرباً مشروعة بحق الدفاع عن النفس، وحرباً عادلة ضد جبروت القوة وظلم المعتدين، وحدها أيضا المقاومة الشعبية أو الحرب التحريرية لاستعادة الأرض المحتلةً تصبح حقاً مشروعاً بل واجبا مفروضا على الشعوب المحتلة أراضيها لطرد الغاصب المحتل،

والمعركة بين القوة والحق لم يثبت التاريخ بعد أنها حسمت لصالح القوة بل تحسم في الغالب لصالح الحق، بشرط ألا يفقد أصحاب الحق إرادة المقاومة والثقة في انتصار الحق، والهزيمة والنصر لا يفصل فيها ميزان القوة العسكرية، بل ميزان العدالة الإنسانية أولاً والإلهية أخيراً، وإلا أين أعتى الامبراطوريات عبر التاريخ كله التي احتلت نصف الكرة الارضية؟،

وكيف استطاعت الشعوب الصغيرة بالمقاومة إجبار أعتى الامبراطوريات على الرحيل عن أرضها وطرد الاستعمار من بلادها وإعلان الاستقلال رغماً عن إرادة المستعمرين؟، بل كيف استطاعت المقاومة اللبنانية أن تنتصر بإجبار المحتل الإسرائيلي على الانسحاب من الجنوب عام 2000 فيما يشبه الهروب الكبير رغم الفارق الهائل للميزان العسكري بين المحتلين والمقاومين؟!

ثم كيف استطاعت المقاومة الوطنية اللبنانية نفسها بقيادة حزب الله مرة أخرى في حرب «تموز» التصدي لعدوان اسرائيل المدعوم أميركياً على الجنوب لاستعادة الاسيرين كما زعمت إسرائيل وللقضاء على حزب الله كما توهمت، وكيف استطاعت إفشال أهدافه المعلنة، وإنزال الضربات بالعمق الاسرائيلي لأول مرة، وتدمير دباباته وإسقاط طائراته، وقتل جنوده، وإسقاط جنرالاته؟!

وحينما وجدت اسرائيل نفسها مجبرة على قبول وقف إطلاق النار بعد فشل المكابرة الإسرائيلية والأميركية على مدى 33 يوماً من القتال، وتجنباً لوقوع المزيد من الضحايا والخسائر الاسرائيلية باعتراف «أولمرت»، عجزت القوة العسكرية الصهيونية الاميركية عن استعادة الاسيرين، وعجزت أيضاً عن نزع سلاح المقاومة الوطنية اللبنانية أو القضاء على «حزب الله»،

وكان من الطبيعي أن يكون ذلك أوضح إعلان لكل من يحسن القراءة بفشل العدو في تحقيق أي من أهداف العدوان وفشل العدوان الاميركي الصهيوني في جني أي من الثمار الحلوة لهذا الرهان، بما يعني نجاح رهانات المقاومة في التمسك بأهدافها وبسلاحها وسقوط الصهاينة والاميركان في الامتحان، وكان طبيعيا أن يشعر جنود العدو وجنرالاته وقياداته أنهم المهزومون، ويشعر الشعب اللبناني والعربي والاسلامي أنهم هم المنتصرون،

لذا جاء «مهرجان الانتصار» بالضاحية الجنوبية لبيروت يوم 14 أغسطس ليؤشر إلى قيام واقع جديد ومعادلة جديدة للقوة تقوم على توازن الردع خصوصا مع تحذير السيد حسن نصر الله إسرائيل بمفاجأة المفاجآت إذا أقدمت على أي مغامرة عدوانية جديدة، فهل تسهم المعادلة الجديدة في استبعاد فرضيات الحرب أم تدفع الذين لا يتعلمون الدروس والمقامرين الخاسرين من تكرار الفشل؟ كل الاحتمالات واردة، لذا «خللي السلاح صاحي».

mamdoh77t@hotmail.com