بينما نقلق حيال أسعار الغاز، فإن أسعار الحليب، اللحم والمنتجات الطازجة تقفز عالياً بسرعة وفي صمت. لذا شأن نهاية الطاقة الرخيصة، هل انتهت أيضاً حقبة الغذاء الرخيص أخيراً؟
منذ الكساد الزراعي في أوائل الثمانينات ـ تذكروا حفل الدعم الزراعي الأول الذي أقيم في عام 1985 ـ أفلس المزارعون بالجملة بسبب أسعار السلع الرخيصة. هز الرأي العام كتفيه بلا مبالاة، فرحاً بالحصول على الطعام الرخيص. وقد شهدت العولمة زراعة مساحات زراعية عالمية متزايدة بأساليب غربية للإنتاج الفعال. الأمر الذي جلب إلى الولايات المتحدة مزيداً من الأغذية المستوردة الوفيرة.
ضمنت القفزات المتواصلة التي تحققت في التقنية الزراعية إنتاجاً أكبر لكل فدان. والنتيجة كانت متوقعة بالمثل وتمثلت في الفوائض في الأغذية القديمة نفسها والأسعار المنخفضة. كان والداي الراحلان اللذان كانا يملكان المزرعة التي أقيم فيها الآن في وسط كاليفورنيا، يتنهدان معربين عن اعتقادهما بأن سكان الأرض يصلون إلى ستة مليارات نسمة وأن الأمور في يوم ما «سينبغي عليها أن تتغير بالنسبة للمزارعين».
والآن قد تغيرت الأمور فيما يبدو. فأسعار الأغذية تقفز عالياً بمعدلات تقترب من 10% سنوياً. ولكن لمَ التغيير المفاجئ؟ كان هناك عدد من التغيرات الجذرية نسبياً مؤخراً في الولايات المتحدة والعالم التي إذا أخذت معاً فإنها تقدم الإجابة:
تعد الزراعة التي تستخدم التقنية العالية الحديثة مكثفة في استخدام الطاقة. لذا فإن الأسعار المرتفعة التي طالت وقود الديزل والمخصبات والكيماويات المشتقة البترول تم نقلها إلى كاهل المستهلك، على الرغم من الجمود الذي لزمته الحكومة فإن الضجة العامة حول الهجرة غير الشرعية ترجمت إلى التشديد المتزايد على الأمن على الحدود، ومع المزيد من اليقظة فإن أعداداً أقل من المهاجرين غير الشرعيين يعبرون الحدود للعمل في المحاصيل التي تقوم على العمالة الكثيفة، مثل الخضار والفاكهة الطازجة.
ولا يزال عدد سكان الولايات المتحدة يتزايد بينما يتواصل اتساع نطاق الضواحي ويلتهم ترامي الأراضي المخصصة للإسكان مساحات كبيرة من الأراضي وكذلك الحال مع المدن الهامشية ومراكز التسوق التي تقتطع من الأراضي الزراعية بمعدل 100 ألف فدان كل عام، وبدورها جعلت مواسم الجفاف الغربية الدورية وعملية التنافس من جانب الضواحي المتضخمة الماء الضروري للزراعة شيئاً نادراً وأكثر كلفة وفي بعض الأحيان غير متوافر.
وعلى الساحة العالمية فإن ملياري نسمة من الهنود والصينيين يتمتعون بأعظم تحسن مادي عرفوه في تاريخ الأمتين ويعني تحسن الغذاء الذي يتناولونه استهلاك المزيد من الطعام مقارنةً بذي قبل.
والنتيجة هي أن الإمدادات العالمية من المواد الغذائية تتقلص كذلك في الداخل والخارج على السواء، وقد أصبحت أميركا مستورداً صافياً للمواد الغذائية حيث يبدو أن الأميركيين قد أصبحوا يتذوقون الأنواع الفاخرة من المشروبات والجبن والفاكهة التي تنمو في الشتاء المستوردة من الخارج فيما هم يستهلكون من ذرتهم وقمحهم وفول صويتهم ومنتجاتهم الغذائية المنتجة في الداخل.
والآن تجيء حركة الوقود العضوي ولأسباب عديدة تتراوح بين محاولة تقليل الاعتماد على النفط الأجنبي والرغبة في استخدام أنواع أقل تلويثاً من الوقود فإن ملايين الفدادين من الأراضي الزراعية يعاد توجيهها إلى إنتاج «الإيثانول» المستمد من الذرة، وإذا شيدت المئات من مصافي الإيثانول الجديدة المخطط لها فإن الولايات المتحدة يمكن لها في القريب العاجل أن تنتج حوالي 30 مليار غالون من الوقود المستمد من الذرة سنوياً.
وذلك باستخدام فدان من كل 4 فدادين تُزرع بالذرة وهذه الورطة النابعة من الغذاء أو الوقود تظهر في مناطق أخرى من العالم مع بدء الأوروبيين والأميركيين الجنوبيين في إعادة توجيه أراضيهم المزروعة بالغذاء نحو أنواع الوقود العضوي المستمدة من الذرة أو الصويا أو السكر.
وقد قفزت أسعار الذرة في أميركا عالياً، وحيث ان الذرة هي أيضاً المكون الرئيسي لأعلاف الحيوانات ومواد التحلية فإن الأسعار ترتفع كذلك بالنسبة للدواجن واللحم البقري وكل شيء من مشروبات المياه الغازية حتى الحلوى.
وهناك في الوقت الحالي المزيد من الأراضي المخصصة للذرة حيث يتم التنبؤ بأن 90 مليون فدان تقريباً ستزرع بالذرة هذا العام أي ما يفوق ما حدث في أي وقت من تاريخ أميركا طوال نصف القرن الماضي ولكن إجمالي الأراضي المزروعة اليوم إما أنه ثابت أو يتقلص والأراضي التي تخصص لأنواع الوقود العضوية تؤخذ عادةً من الأراضي المخصصة لزراعة القمح أو فول الصويا أو القطن، الأمر الذي يؤكد أن الإمدادات من هذه المحاصيل ستتقلص أيضاً.
في الماضي، كانت عبقرية مزارعينا والابتكارات المذهلة في نشاط الأعمال المتعلق بالمحاصيل الأميركية تعنيان أن الإنتاج الزراعي قد تضاعف بصورة دورية. وبالفعل، فاليوم نحن نقوم بإنتاج غذاء أكثر في عدد فدادين أقل مما حدث في أي وقت مضى، ولكننا ندنو من الحدود القصوى لتحقيق المزيد من الكفاءة ـ لاسيما عندما كانت هذه القفزات الماضية المذهلة في الإنتاج تعتمد على البترو ـ الكيماويات، وأنواع الوقود والمخصبات التي كانت رخيصة في وقت من الأوقات.
وكما هي الحال مع النفط، فإننا مررنا بهذه الزيادات المفاجئة للأسعار في الماضي. فقد قال لي جدي ذات مرة إنه في حوالي 70 عاماً من الزراعة التي اتسمت بالازدهار والكساد، لم يربح مالاً سوى خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية وفي أواخر الستينات.
ولكن هذه الجولة الأحدث من أسعار الغذاء المرتفعة تبدو مقترنة بنقص في الطاقة، ولذلك فإنها لن تنقضي في المستقبل القريب. وهذا الأمر يثير أسئلة حاسمة بالنسبة لأمن أميركا، التي ربما يتعين عليها استيراد عدد من السلع الزراعية كما يعادل ما تستورده الطاقة وإيجاد طريقة للدفع لكليهما.
لقد انطلق أسلوب حياة المستهلك الأميركي والفضل في ذلك يعود إلى انخفاض تكلفة الوقود والغذاء.وعندما أصبح بمقدور العائلات قيادة سياراتها وتناول غذائها بتكلفة رخيصة، فإنه أصبح لديها وفرة من الدخل المتاح للإسكان والسلع الاستهلاكية، ولكن إن لم يعد بوسعها القيام بأيٍ من الأمرين، فأي غضب سيتملّكها عندما تبتاع سلع وخدمات أقل وتدفع أكثر للمواد الأساسية للحياة؟
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص ل: «البيان»