أنصار الحرب الأميركية و»الفكرة الصنم«!

د. محمد خالد الأزعر

كاتب وأكاديمي فلسطيني

يحق للفريق الأميركي الذي يدير الأزمة العراقية إعلامياً ودعائياً منذ سنوات أن يفخر بإنجاز واحد على الأقل في غمرة إخفاقاته وخيباته المتراكمة. فهو استخدم بحذق واقتدار ما قيض له من موارد كبيره وأدوات تأثير أخطبوطية جبارة في الترويج لما ظننا أنه يصعب الترويج له وإقناع الخلق به، ومؤداه أن الحملة الأميركية تستهدف بسط الديمقراطية على الشعب العراقي بعد تخليصه بالقوة من براثن نظام استبدادي سامه سوء العذاب لثلاثة عقود ونصف. وأن هذه النقلة التاريخية ستحدث مرة واحدة إلى الأبد، وستمتد بظلالها وأصدائها إلى بقية شعوب الشرق الأوسط. مبعث هذا التقدير، أن الجزئية الذرائعية الخاصة بهدف نشر الديمقراطية، كان المفترض لها أن تكون الحلقة الأضعف في خطاب تبرير الحرب على العراق، والتي يسهل من عندها إثبات تهافته وفضح زيفه. لكن ما حدث ويحدث بالفعل يشي بأن هذه الذريعة وجدت من يبتلعها عربيا ليس فقط على مستوى بعض عامة المتابعين- وهذا جائز ومحتمل باعتبار الرأي العام عرضة للتطويع أو التوجيه بسبب غياب المعرفة المتخصصة- ولكن أيضاً من لدن قطاع من المثقفين، أهل الدراية والتدبر الواعد.

ولو أن تعاطي هؤلاء الأخيرين مع الزعم الأميركي عن قناعة أو جهالة أو نفاق قد اقتصر عليهم لهان الأمر، المشكلة أنهم يعمدون عن قصدٍ وإصرار إلى تعميم هذا الزعم وتعريبه على أوسع نطاق ممكن، متخذين من أنفسهم ومما هو متاح لهم من منابر اتصال بناس بلادهم، خشبة قفز لتسويغه. وبهذا فإنهم باتوا يشكلون ما يشبه »شبكة أمان فكرية دعائية« تنظر وتزين لقضية ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب. وهم بصنيعهم هذا أعفوا إعلام الأزمة والتسميم السياسي الأميركي من العكوف وحدة على مهمة تضليل أبناء الأمة عن الأهداف الحقيقية لغزو العراق واحتلاله. لقد ألقوا لهذا الإعلام بأطواق وحبال تنجيه من غرق يتربص به، فصارت له أقدام وأبواق يسعى بها في الشارع العربي، بما من شأنه جدلا أن يمنحه صدقية لا يستحقها، كيف لا وقد بات يتحدث بلسان عربي مبين تنطق به جماعة من أهل الوطن؟!.

كنا نحسب أن طرح دمقرطة الساحة العراقية من مدخل دحر النظام الحاكم بالقوة العارية، يأتي من باب الهذيان الفكري المفضوح، لإدراكنا أن الديمقراطية لا تأتي بضغطات أزرار ولا محمولة على رؤوس الصواريخ وقذائف الطائرات. وحسبنا أيضاً أن أصحاب هذا الطرح من أمراء الطابور الخامس الإعلامي الذي يسبق ويواكب كل حملةٍ وغزو يعلمون هذه الحقيقة. ويعلمون بشكلٍ خاص أن المجتمع العراقي يموج بتعقيدات بالغة، على نحو لا يؤهله بالمطلق للاستجابة لهكذا منهجية. وهذا جعلنا نتصور أنهم سيعدلون سريعاً عن هذه الخدعة إلى ما هو أدعى لاستقطاب التأييد للحرب على هذه البلاد، وأجدر بحث الرأي العام العربي على تخبئة معارضته لها، انتظاراً لما قد تسفر عنه بعد وقوعها، وعندئذٍ فإن لكل حادث حديث.

المدهش أن توقعنا هذا صدق إلى حد كبير بالنسبة للخطاب الإعلامي التعبوي الأميركي الأصيل والراعي، لكنه خاب مع أتباع هذا الخطاب والمتذيلين له من المثقفين العرب!. فالجانب الأميركي راح يطوي مقولاته حول دمقرطة عراق ما بعد الغزو ويتنصل منها بهدوء، نازعا إلى استبدالها بشعار محاربة الإرهاب. الرئيس جورج بوش الابن بنفسه أقر في غير مناسبة بأن »إقامة نظام ديمقراطي في العراق سيكون أمراً صعباً على رغم أنه يشكل (بزعمهِ) شرطاً لضمان أمن الولايات المتحدة«، وقد تبعه في هذا التراجع مسؤولون أميركيون كثيرون.

لن نستطرد هنا إلى ما ينطوي عليه هذا التراجع من تخبط أميركي في تخيُر المدخل الأنسب لدغدغة المشاعر حول تبرير غزو العراق وتدميره. ما يهمنا الآن أكثر هو أن فريق الأنصار العربي إياه، لم يلتقط بعد هذا التحول عن الهدف شبه المستحيل المتعلق بفرض الديمقراطية قسراً بعد إزاحة قيادة ونظام، بحيث إنه مازال هناك عرب يبشرون بهذا الهدف. ولعل أفضل تفسير لما يفعله هذا الفريق راهناً هو أنه انطلق في البداية بقوة الدفع التي أطلقها تبني واشنطن للفكرة، ثم راح يتحرك لاحقاً بقوة دفع ذاتية، أما لأنه استمرأ الفكرة وما عاد قادراً على تفنيدها والفكاك من أحابيلها واما لأنه لا يملك جرأة الاعتراف بسوء تقديراته.

قياسا بهؤلاء يبدو بوش الابن الموصوف بالضحالة والعناد السياسي موفقاً ومرناً على غير عادته، لأنه بادر بنقل هدف دمقرطة العراق إلى مكان متأخر على مدرج أهدافه الدعائية. وأغلب الظن أن هناك من أخلصوا له النصيحة بهذا الخصوص ليقوم بهذه الانعطافة، لكن أصداء هذه النصيحة لم تصل إلى مثقفي ودعاة نظرية (فرض الديمقراطية بيد عمرو)!. وهذا يستدعي التذكير بحقيقتين، أولاهما نستقيها من الاجتماع السياسي الإنساني عموما وهي أن الاحتلال والديمقراطية ضدان لا يلتقيان طوعا أو كرها، والثانية نستلهمها من خبرتنا العربية الخاصة، فالعالم العربي خضع بكل أقطاره للفعل الاستعماري الذي اضطلعت به »أمهات الديمقراطية« في الفضاء الدولي، لكن هذه الحالة لم تخلف وراءها ما يستحق الترحم علية على صعيد الممارسة الديمقراطية. حقاً لم تشارك الولايات المتحدة في هذه الجريمة سابقا على نحو مباشر، لكن من قال إنها باستعمارها للعراق تعرض نموذجاً مختلفاً؟.

لا ندري ما إن كان تأمل ما جرى في تضاعيف الحالة العراقية على مدار سنوات الاحتلال من وقائع، جعلت الديمقراطية بمختلف معانيها هناك مجرد حلم ليلة صيف، سوف تقنع بعض »الديمقراطيين العرب الجدد« بخطل تحليلاتهم. لكن الظاهر أن فضيلة الاعتراف بالخطأ ليست من شيم الكثيرين منهم، يقول أحدهم »يجب أن لا نمل من إقرار عراق الغد الديمقراطي في وجود الاحتلال الذي إن خرج انتكست البلاد إلى عهد الديكتاتورية البغيض أو الحرب الأهلية الطاحنة«. واضح أن صاحبنا هذا والذين معه من العاكفين على صنم فكرة يتأكد بؤسها مع أنباء كل صباح، وأنك تسمع لو ناديت عاقلا.

ذريعة نشر الديمقراطية في العراق وجدت من يبتلعها ويصدقها عربياً ويروج لها.