ثلاثون مليار دولار مبلغ ضخم جدا حتى وإن كان سيدفع على مدى عشر سنوات لكي تطور اسرائيل اسلحتها الجوية والبحرية والبرية ، ولكن الولايات المتحدة الأميركية اعتادت على منح اسرائيل دعما مطلقا في كل شيء ، وذلك تحت عنوان ما يعرف بالعلاقات الاستراتيجية .

اما الكلام المصاحب للتوقيع على الصفقة والذي يعطي اسرائيل شعورا بالتفوق فهو الأمر الوحيد الذي يمكن التعليق عليه لأنه يخالف الحقائق التي يعرفها الأميركيون والاسرائيليون على حد سواء.

القوة الفائقة لا تحقق الأمن وإلا ما حاجة الإدارة الأميركية لكل تلك الخطط والاستراتيجيات الهادفة إلى معالجة الأخطاء الناجمة عن النصر العسكري الأولي في العراق وافغانستان ، ولو كانت القوة تضمن لاسرائيل الأمن والاستقرار - ولا نقول البقاء - لرضخت لها جماهير الشعب الفلسطيني التي تتعرض للقتل والتدمير والتجريف والحصار بشكل متواصل منذ أربعين عاما ولا تلين لها قناة .

أو لعلها منحت الأوسمة لقادتها الذين خاضوا حرب جنوب لبنان الأخيرة بدل إدانتهم بالتقصير وطرد بعضهم واستقالة البعض الآخر ، أو على الأقل ما كانت تصل إلى درجة أنها تتلقى تهديدا صارما من زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله بمفاجأة كبرى إن هي شنت الحرب على لبنان .

والكل يعرف أن ذلك الحزب يقطن في الدولة الأقل تسليحا من بين دول الطوق لكنه استطاع أن يفرض منطقا مقابلا أو مقاوما لمنطق عنجهية القوة الذي تحدثت به اسرائيل في مناسبات كثيرة .

قد تبدو الصفقة مناسبة لإسرائيل لتقوي بها عقلية القلعة التي تقبع فيها منذ زمن طويل دون أن تستوعب درس السلام الذي كان على وشك أن يمنحها الأمن والاستقرار والاندماج في المنطقة ، في الواقع لا هي ولا الولايات المتحدة فهمتا.

كما ينبغي أن للقوة وجوها أخرى غير السلاح العسكري ، وقد لا يكون لقوة الحق والعدل والتمسك بالأرض أي معنى بالنسبة لهما ، ولكنه لو أنهما تنظران بشكل دقيق إلى الأطفال الذين صنعوا انتفاضة الحجارة وكبروا معها .

أو إلى أطفال اليوم ممن يذهبون إلى المدارس تحت زخات الرصاص لأدركتا أن مبلغا قدره ثلاثون مليار دولار يتم دفعه لإرساء المشروعات التنموية المشتركة وبالتزامن مع تقدم العملية السلمية إلى الأمام بناء على حل الدولتين الذي اقترحه الرئيس جورج بوش لكان وجه التاريخ قد تغير في هذه المنطقة .

المؤشرات كلها تدل للأسف على ان المنطقة تدفع بشكل منظم نحو صراع أو عدة صراعات قادمة ، والأطراف الأكثر فهما ووعيا بحقيقة ما يجري من حشود عسكرية مع ارتفاع درجة التهديد والوعيد من جميع الأطراف وعلى نفس المستوى من التحدي تدرك أنها لا تملك خيارا غير الاستعداد لذلك الشيء القادم .

وإن لم تتضح ملامحه بعد ، مع أن اللغة المستخدمة من مثل الشيطان الأكبر ومحور الشر والأشرار يقودنا إلى منطق الغيبيات الذي شاع الحديث عنه في السنوات الأخيرة .

كنا نأمل في أن نرى للسلام فرصة قبل فوات الأوان ، وصفقة السلام أو الدعم المالي من أجل السلاح لن تزيد من قوة اسرائيل التي يفترض انها محمية من القوة الأعظم من حيث المبدأ ، ولكنها حتما ستزيد من قدرة اسرائيل على توريط الولايات المتحدة الأميركية في حروب جديدة .

وسيدرك الشعب الأميركي ذات يوم أن اسرائيل لم تخض أي حرب دفاعا عن مصالحه بل العكس اميركا هي التي تخوض المعارك نيابة عن اسرائيل وتدفع لها من جيوب الأميركيين بلا حساب ، لأن الصهيونية هي التي تدير البيت الأبيض حتى هذه اللحظة .