يقوم الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي بنشاط مكثف منذ مجيئه إلى الإليزيه حيث أنجز العديد من المهام والأعمال سعيا منه لاستدراك الوضع سواء على الصعيد المحلي أو الدولي. فساركوزي يريد دفع عجلة الاقتصاد الفرنسي إلى الأمام ويريد تثبيت الأوضاع في البحر الأبيض المتوسط من خلال الأمن والاستقرار ومحاربة الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب. كما يريد إنشاء الاتحاد المتوسطي ليبعث العلاقات الاقتصادية بين دول ضفتي المتوسط.
فالرجل لُقب بالرئيس النشيط والحيوي والديناميكي والطموح والرئيس الذي يريد تغيير الأوضاع وبعث الاتحاد الأوروبي وتحريك العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية. وهو الرئيس الذي استولى على الفضاء الإعلامي الفرنسي من خلال تواجده الدائم والمستمر على الصفحات الأولى من الجرائد والمجلات ونشرات الأخبار المختلفة.
منذ توليه الحكم لم يتوقف الرئيس الفرنسي الجديد من إثارة ردود أفعال مختلفة في الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية عن أنشطته المختلفة وعن بعض قراراته، وخاصة من قبل الاشتراكيين واليساريين والمعارضة. ردود الأفعال جاءت بسبب تبني ساركوزي طريقة جديدة في إدارة شؤون الإليزيه وفي التعامل مع وسائل الإعلام وفي عملية اتخاذ القرارات والتعامل مع مختلف الوزارات.
فعلى غلاف مجلة «ماريان» الأسبوعية في عددها 536 كتبت الصحيفة عن الرئيس الجديد: «أنا، أنا، أنا، المعلق على دورة فرنسا لسباق الدرجات الهوائية، منظم الحفلات الغنائية، مدرب فريق رياضة الرجبي، محرر الممرضات البلغاريات، منقذ أوروبا، الوزير الأول، ووزير الوزراء...» للتعبير عن الطريقة الجديدة لحكم رئيس جديد لا يتوقف عن العمل والنشاط.
فإذا أخذنا على سبيل المثال تعامل ساركوزي مع وسائل الإعلام فإنه تحول منذ تنصيبه في الإليزيه إلى رئيس تحرير القنوات التلفزيونية الفرنسية حيث أنه أصر ويصر على الظهور في الأخبار كل يوم وبلباقة وحرفية كبيرة. فالرئيس الفرنسي يتقن التعامل مع وسائل الإعلام ويتمتع بفصاحة كبيرة وبذكاء كبير في الهروب من الأسئلة الحرجة والإبداع في المواضيع التي يتقنها ويعرفها جيدا.
أما المعارضة الفرنسية والشارع الفرنسي فيتساءلان عن المجلس الأعلى للسمعيات البصريات للقيام بدوره والوقوف أمام الرئيس الفرنسي لاستغلاله لفضاء عام هو ملك لكل الفرنسيين. وحسب التقليد الفرنسي فإن وقت التلفزيون مقسم حسب ما يلي: ثلث للحكومة وثلث للأغلبية وثلث للمعارضة، لكن ساركوزي سيطر على كل شيء حسب منتقديه.
من جهة أخرى تعلق الصحافة الفرنسية عن الرئيس الجديد بأنه «السيد الذي يعرف كل شيء» والرجل الذي يريد أن يكون في مركز الأحداث ووراء كل شيء وكل القرارات، الرئيس الذي يحب الأضواء والعلنية والحضور الإعلامي المكثف.
ففي قضية تحرير الممرضات البلغاريات استغل ساركوزي العمل الدبلوماسي الذي قام به الاتحاد الأوروبي وجاء في آخر لحظة ليجني الثمار ويضيف نقاطا في سجل إنجازاته بالإضافة إلى إتاحة الفرصة لزوجته للظهور على الساحة السياسية والدبلوماسية، وكسيدة البلد الأولى النشطة والفاعلة والحاضرة في تدبير شؤون البلاد. لكن تحرير الممرضات والطبيب البلغار جاء على حساب الكثير من المبادئ التي تجاوزها ساركوزي لتدعيم شعبيته وسمعته. فالصفقة كانت تسودها العديد من نقاط الغموض ومن التجاوزات ومن التعتيم.
فالمعارضة المتمثلة في النواب الاشتراكيين تطالب تحقيقا في الاتفاقيات مع ليبيا. فالاشتراكيون يتساءلون في ما إذا كانت هناك عملية «مقايضة» في عملية إطلاق ليبيا سراح الممرضات والطبيب البلغار في مقابل توقيع اتفاقات عسكرية ونووية بين باريس وطرابلس. ففي شهر يوليو الماضي زار ساركوزي ليبيا ووقع إنفاقات تعاون نووي سلمي وأخرى في المجالات العسكرية كما وقعت طرابلس بعد ذلك عقدين ضخمين مع مجموعة سلاح فرنسية لتوريد صواريخ مضادة للذبابات وأنظمة اتصالات متطورة بأكثر من 400 مليون دولار.
فحسب المعارضة والنواب الاشتراكيين هناك غموض كبير يشوب الصفقة وظروفها سواء تعلق الأمر بالشروط الحقيقية أو ببروتوكولات التعاون الموقعة بين فرنسا وليبيا. فحسب الشارع الفرنسي هناك تساؤل كبير عن فحوى التعاون مع دولة تنتهك حقوق الإنسان والقوانين الدولية ودولة ما زالت تعاني من العزلة الدولية ومن تداعيات «لوكيربي» وقضية الطائرة الفرنسية.
فالجمهور الفرنسي من حقه معرفة تفاصيل ما جرى وفحوى الصفقة. والأخطر من هذا أن نجل الزعيم الليبي سيف الإسلام القذافي صرح أن بلاده أبتزت أوروبا في قضية البلغار، وأن الإفراج عن المتهمين تم بعد «لعبة غير أخلاقية». بالنسبة لساركوزي الموضوع بكامله يتعلق بمحاولة الحصول على الأضواء لكسب الشهرة والسمعة والظهور كالقائد الأوروبي الكبير والفعال الذي سيغير مصير الاتحاد الأوروبي وسينقده.
شهرة ساركوزي أراد أن يحققها على حساب سنوات عديدة من الدبلوماسية الأوروبية ومن جهود اللجنة الأوروبية وممثلتها «بنيتا فيريرو والدنر» التي لعبت دورا مميزا واستراتيجيا في عملية تحرير الممرضات والطبيب، وكذلك الجمعيات والمنظمات غير الحكومية والمدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين...
لكن بالنسبة لساركوزي الغاية تبرر الوسيلة، والمشهد الإعلامي غمر الجميع ووضع تحت الضوء الرئيس ساركوزي وزوجته سيسيليا، الثنائي الذي حرر الممرضات والطبيب، والثنائي الذي عجّل عملية التحرير والانفراج وكسب ليبيا كحليف في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
نيكولا وسيسيليا النجمان، ففي الرياضة الرئيس ساركوزي هو الذي يسرق الأضواء ونفس الشيء في عالم الفن والسينما وفي عالم الدبلوماسية، الذاكرة والتاريخ، المؤسسات، القضايا الإنسانية وحقوق الإنسان، في عالم «الميديا» والتلفزيون هو النجم بطبيعة الحال، والدليل على ذلك أن كاميرات قنوات التلفزيون واستوديوهات الإذاعات قد اتخذت من قصر الإليزيه مقرا لها.
من جهة أخرى أثارت زيارة ساركوزي للولايات المتحدة الأميركية ردود أفعال متباينة في الأوساط السياسية ووسائل الإعلام والشارع. فحسب المحللين فإن الرئيس الأميركي جورج بوش يبحث على خليفة توني بلير والخليفة الأمثل هو نيكولا ساركوزي الذي أبدى إعجابه بأميركا وديمقراطيتها حتى قبل أن يُنتخب رئيسا لفرنسا.
فعلى عكس الرؤساء السابقين لفرنسا وخاصة جاك شيراك، يبدو ساركوزي أنه الرئيس الفرنسي الذي سيبعث من جديد العلاقات الفرنسية الأميركية ويخرجها من رتابتها ومن فتورها وبرودتها. من جهة أخرى يبقى الشارع الفرنسي متحفظا عن هذا الإنبهار بأميركا وبسياستها الذي عبر عنه ساركوزي في عدة مناسبات. من دون شك فإن ساركوزي لا يختلف مع بوش حول أزمات إيران ولبنان والسودان وأفغانستان ومحاربة الإرهاب وكذلك الملفات الأخرى المطروحة على مجلس الأمن الدولي.
بعد الأجواء المتوترة بين البلدين نتيجة الحرب على العراق فإن انتخاب ساركوزي رئيسا لفرنسا يعتبر فرصة ذهبية لتجاوز المرحلة المضطربة وإقامة علاقات تفاهم وصداقة يسودها الاستقرار. فبوش يرى في ساركوزي بديلا لأصدقائه الأوروبيين الذين غادروا سدة الحكم كسلفيو برلسكوني وجوزي ماريا أزنار وتوني بلير. من جهته يرى الرئيس الفرنسي الملقب بـ «ساركو الأميركي» أنه حان الأوان لإحداث التغيير والقطيعة مع الماضي بهدف إنقاذ أوروبا وإعطائها نفسا جديدا من أجل تواجد أكثر على الساحة الدولية.
كلية الاتصال
جامعة الشارقة