الإطار الزماني والمكاني والأداء الحركي والصوتي الذي يتألف منه المظهر الخارجي لصلاة الجماعة، أشبه ما يكون في الحقيقة بجبل الجليد، لأن المظاهر الداخلية أو الخافية لصلاة الجماعة تنطوي على ما هو أعمق وأبعد من ذلك.

فمع كونها اتصالا متدفقا بين المسلم وبين الله لاستمداد الثقة والأمل والإلهام، وبخلاف كونها إقامة لشعائر الله في الأرض، وأنها إظهار لوحدة المجتمع المسلم وتماسك خطوطه، وبالإضافة إلى مفعولها التعبدي وانعكاساته على سلوك المسلم وعلاقاته ومعاملاته، يكمن في صلاة الجماعة الكثير من الإيحاءات الاستراتيجية لبنائيات المجتمع (الفرد والأسرة) والدولة (الإنسان والقيادة والمؤسسات) والحضارة (الإنسان والمنهج والثروة والوقت).

ومن هنا جاء التركيز على الإنسان بصفته قاسما مشتركا في تلك البنائية الثلاثية، فمع أن الصلاة هي في الأصل واجب أو دافع أو محفز شخصي أو فردي، ولكن إخراج الفرد المسلم من بيته أو من مكان عمله ليؤديها في جماعة ضمن نطاقها أو في حدودها المكانية (المسجد) يجعل منها استثمارا لهذا المحفز الشخصي وتحويله إلى محفز جماعي.

وفي إطار تنظيم مؤسسي من خلال ورشة العمل هذه أو هذا التدريب العملي اليومي، ولولا هذه العملية الاستثمارية لكانت الصلاة مجرد صلة أو علاقة خاصة بين الإنسان وبين الله لابتغاء المثوبة، دون أن يكون للمجتمع أدنى حظ من إيحاءاتها ودروسها الحياتية والحضارية.

هناك أيضا إيحاءة مدهشة أخرى في النداء لصلاة الجماعة (الأذان)، فهذا الأسلوب التذكيري اللحوح الذي لا يتسرب إليه الملل، فيه إشارة إلى الدور الاستراتيجي للقيادة ومهمتها في التنظيم والدأب في استجماع الجهود، وحشد الطاقات، واستحثاث الهمم، واستدعاء الأهداف والغايات، دون أن تعتمد على المبادرات الذاتية للأفراد، لأنها بطبيعتها ميالة إلى السكون أكثر منها إلى الحركة.

في الإطار الزماني أو المواقيتي الدقيق للصلاة نلمح التفاتة مذهلة للأهمية الاستراتيجية التي تنطوي عليها توقيتات الصلاة أو برمجة العامل الزمني، فكما أنه عنصر أساسي في الصلاة، كذلك هو عنصر محسوس وشديد الأهمية في طريق بناء المجتمع والنهوض الحضاري، وأن إسقاطه على برنامج محدد الفعاليات والالتزام به لا يقل عنه أهمية، حتى أن فوات أي جزء منه يعدّ خسارة جسيمة لا يمكن تعويضها مهما كان مستوى إتاحة عوامل القوة والإمكانات المادية الأخرى.

كما أن تكرارية الصلاة (خمس مرات في اليوم والليلة) تعطي دلالة استراتيجية أخرى على أهمية الالتزام على المستويين الفردي والمجتمعي بالأهداف والغايات المرسومة، وهذا الإصرار والإلحاح هو إعادة شحن متواصلة لبطاريات الطاقات الإنتاجية والإبداعية بالوقود الإيماني الذي يتصدى لهواجس التردد أو التهاون. وكلما احتشدت جموع المصلين لاسيما في الأوقات العسرة والصعبة كصلاة الفجر أو صلاة الحرب، كلما ازدادت الطاقات وهجا وتفجرا.

وكلما تماسكت قطرات الأفراد واستجمعت أقصى قوتها كموجة عارمة تمضي بخطاها الواثقة إلى أبعد شواطئ غاياتها. هذه التكرارية لها وظيفة إضافية لإيصال التعاليم والتوجهات والقيم للأتباع في جو من السكينة والقداسة يناسب مصدر الرسالة، وليس في أجواء التوتر السياسي والتشنجات والأوامر العسكرية.

ثم يأتي التناغم الحركي الاتجاهي، فحركة المصلين إلى جهة واحدة (القبلة) يعطي دلالة أخرى على أهمية حركة المجتمع في اتجاه واحد، والثبات على المبادئ والقيم الأساسية (الوحي) مهما تبدلت الظروف وحيثما دارت رياح التغيير، ومهما طرأ من تغير على التحديات والفرص الداخلية والخارجية.

كما أنها تضفي طابعا من القوة والمنعة على نسيج المجتمع، لأن الاتجاهات المتعاكسة والمتضادة مع بعضها البعض تعبير شديد الوضوح على تفسخ لحمة المجتمع، وتشاكس التوجهات الاجتماعية لطبيعة النهوض بشكل يجعل الجهات الأصلية ثماني وربما لانهائية العدد، ويجعل الأهداف التي يسعى إليها المجتمع زئبقية أو كأنه يطارد سربا من الفراش.

أما انتظام صفوف المصلين والتحامها على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية والمهارية فيعطي دلالة على أهمية التنظيمات الداخلية سواء أكانت تنظيمات إدارية أو مالية أو تشريعية. ويعطي دلالة أخرى على أهمية تآزر المجتمع وتعاضده (على قلب رجل واحد) في سبيل الوصول إلى الأهداف العامة، بغض النظر عن تفاوت القدرات والإمكانات والطاقات بين العناصر كأفراد، لأن العجز أو النقص الجزئي عند البعض، تعوضه الزيادة أو الفائض الذي يبذله البعض الآخر.

كما يعطي دلالة على قيمة كل فرد مهما كان مقدار المساهمة البنائية التي يقدمها ونوعها وأهميتها، وبذلك تسقط الفوارق الطبقية والعرقية وتصبح المكاسب حقا يقتسمه الجميع، لا امتيازا يستحوذ عليه البعض ويلقي بالفتات للبعض الآخر، أيا كانت تلكم المكاسب مادية أم معنوية، قد يتمايز أفراد هذا المجتمع في دأبهم الحياتي كأغنياء وفقراء أو كأصحّاء ومعاقين، ولكن ليس كأسياد ومستعبدين، فهم في بشريتهم سواسية كأسنان المشط، بل إن الأمر يتعدى هذه الحدود الأنانية إلى مستوى تضحية الفرد أو تنازله عن مصالحه وطموحاته الشخصية ليعطي جماعته حق الأولوية والأسبقية على كل شيء.

وأما التفاف الصفوف وراء القيادة (الإمام) فدلالة على أن القيادة في المجتمع المسلم يستحقها من هو أكفأ لها بمقدار قربه والتصاقه بمصدر التلقي والإلهام (القرآن)، وأن هذه القيادة التي تستمد غذاءها ومفاهيمها ومبادئها من هذه التربة، هي التي تقع عليها مسؤولية الإمساك بمفاتيح الإيقاع المتناغم للمجتمع، وأن خروج أفراد أو جماعات من المجتمع عن هذا الإيقاع المنسجم مهما كانت الخلافات الأيديولوجية والفكرية يمثل خللا خطيرا يهدد سلامة المجتمع، ويطيح بكل آماله وأحلامه وطموحاته التي يرسمها لطريقه نحو البناء والنهوض، بل قد يجعل منه فريسة سهلة المنال لأهون الأعداء.

ويتوافق هذا التناغم مع تناغم آخر لا يقل عنه أهمية، وهو التناغم الحركي، أو تزامن المقدار النوعي والكمي الحركي لجماعة المصلين، ليعطي دلالة على أهمية الإيقاع المتناغم في حركة المجتمع في طريق البناء والنهوض، لأن تفاوت الإيقاعات بين متسارع لبعض الفئات المجتمعية يقابله إيقاع متباطئ أو آخر معتدل، لا يحرك المجتمع ككتلة واحدة، بل كجسم متمزق متهتك، وكلما استمر هذا الإيقاع لفترة أطول كلما تباعدت قطع المجتمع وازداد تفككا وتشظّيا، وتبخرت معها كل الجهود والطموحات.

وعندما يفرغ من الصلاة، وينتشر المسلمون ويتفرقون في طرقاتهم وبيوتهم وأماكن عملهم كل لشأنه، ففيه من الدلالة على أن أحدا لا ينبغي عليه أن يمكث في مكانه انتظارا لأجر أو لمكسب كجزاء آنٍ وفوري على ما صنع، فكما أن أجر عبادته مدخر عند الله وحده، فإن أجر جهوده مدخر لأجياله القادمة، والمسلم لا يشغل نفسه بالجمع والطرح والقسمة والضرب حتى يحصي مقدار ما أقرض الله من الجهود والطاعات والقربات وما ترتب له عليها من الثواب، فثقته في عدل ميزان الله ورحمته أكبر من ثقته في حساباته التي لن يبوء منها إلا باليأس والقنوط.

لماذا إذن لا يستشعر المسلمون اليوم، بل لماذا لم يستشعر المسلمون في كل انتكاساتهم عبر التاريخ هذه الدروس؟ من ناحية، فإنه بقدر ما يترسخ في يقين المسلمين من الإيمان والثقة بالمفعول التعبدي لصلاة الجماعة وانعكاساته على سلوك المسلم وعلاقاته ومعاملاته لدرجة المثالية، بقدر ما تتضح هذه الدروس والإيحاءات الاستراتيجية لبنائية المجتمع أو الحضارة وتتألق وتلامس شغاف القلوب، والعكس صحيح.

ومن ناحية أخرى فإن صلاة الجماعة من حيث هي تدريب عملي للمجتمع المسلم على الدروس الاستراتيجية للصلاة وتأثيرها على تصميم حركة المجتمع البنائية فإن فهمها وتطبيقها وتوقيعها على الممارسة الشخصية يتفاوت بقدر تفاوت الفوارق العلمية والإيمانية، ولكنها مع ذلك لا تبقى حقا حصريا للعالمين والمتفقهين، بل يصبح هذا الفهم كرغيف الخبز عليهم اقتسامه مع الآخرين، شريطة أن لا تخرس الألسن، وأن لا يجد أحد نفسه فوق مستوى النقد والتقويم.

كاتب إماراتي