لا خلاف كبيرا بين دعاة التطوير أو التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي على اعتماد الديمقراطية كآلية للإصلاح والتغيير السلمي وصولاً لمجتمع الحريات السياسية والعدالة الاجتماعية والحقوق الإنسانية.

ومع ذلك فإن عملية التحول الديمقراطي في العالم العربي لا تزال غير واضحة المعالم لا على المستوى الفكري ولا على المستوى التشريعي ولا على المستوى المؤسسي في ظل تناقض واضح بين الفكر والتطبيق.وفضلاً عن المعوقات العديدة لإقامة حياة ديمقراطية سليمة لا تتناقض مع المقومات الأساسية للمجتمعات العربية الإسلامية، ومن بينها الطائفية، والمناطقية، والنزعات التسلطية، والدكتاتورية التي لا ترى مصالحها في الديمقراطية.

تبدو العقبة الأبرز في غياب ثقافة الديمقراطية التي تعلي من قيم حق المشاركة، والقبول بالآخر، والفصل والتوازن بين السلطات، والحوار لصنع القرار، والاحتكام لرأي الشعب مصدر كل السلطات. كما تبدو العقبة الأصعب في غياب ثقافة حقوق الإنسان التي من المفروض أن تكون هي الثقافة السائدة في مجتمعنا العربي باعتباره مهبط الرسالات السماوية العظمى مصدر هذه الحقوق قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بمئات السنين.

فحق الحياة، وحق الأمن، وحق الكرامة، وحق الاعتقاد، وحق الحرية والعدالة والمساواة الإنسانية، هي من الحقوق الثابتة التي أكدتها كل الأديان السماوية لكل بني الإنسان وهي الواجبات التي ألزمت بها كل الولاة وكل المجتمعات نحو كل الأفراد والجماعات. وبغياب ثقافة الديمقراطية التي تؤمن المشاركة الشعبية، وثقافة حقوق الإنسان التي تؤمن العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تضطرب الرؤى الديمقراطية وتتناقض التجارب بين النظريات والتطبيقات.

غير أن المشهد السياسي العربي الحالي فيه التشريعات والتعديلات والإصلاحات، لكن الكثير يبدو شكلياً والقليل موضوعي، والقليل فيه يتجه إلى الإمام والكثير منه يتجه إلى الخلف على طريق التحول الديمقراطي.

وفي محاولة سريعة لرصد ملامح هذا المشهد أستعيد توصيفاً عاماً للأستاذ «محمد فائق» الامين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان يشير إلى «أن الإصلاح الذي تشهده الدول العربية شيء والتحول الديمقراطي شيء آخر، حيث لا يوجد في العالم العربي فصل بين السلطات وخاصة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وفي الكثير من البلاد العربية لا يوجد أيضاً استقلال للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، وفي الدول التي تسمح بالأحزاب لا يوجد فصل بين الدولة والحزب الحاكم».

ويكفي أن نلاحظ في هذا المشهد ندرة الوصول بمشروعية ديمقراطية أي بإرادة شعبية حقيقية للحكم، ويكفي أيضاً أن نلاحظ ندرة حدوث تداول ديمقراطي حقيقي للسلطة. ثم يكفي مثلاً أن نرصد سيادة حكم الطوارئ على أكثر من نصف سكان العالم العربي ولسنوات طويلة مما يجعل ما هو طارئ وضعاً دائما، ويصبح الاستثناء هو القاعدة.

ففي سوريا مثلاً يستمر العمل بحالة الطوارئ للعام الحادي والأربعين بسبب ظروف المواجهة مع إسرائيل. وفي مصر يستمر العمل بحالة الطوارئ للعام السادس والعشرين بسبب مواجهة عمليات الإرهاب. وفي الجزائر يتواصل العمل بقانون الطوارئ للعام الخامس عشر بسبب العمليات المسلحة بين الجيش والمسلحين. وفي الأردن يقوم قانون «منع الجرائم» مقام قانون الطوارئ حيث يمنح السلطات حق اتخاذ إجراءات استثنائية كبيرة بما زاد من عدد الموقوفين دون اتهامات إلى ما يزيد عن عشرة آلاف مواطن.

وفي السودان تفرض الحكومة حالة الطوارئ على إقليم دارفور بسبب النزاع المسلح بين المتمردين وقوات الحكومة. وفي العراق استمرت حالة الطوارئ المعلنة بعد الاحتلال الانجلوأميركي وفي ظل التدهور الأمني الشامل.وبغض النظر عن الظروف والأسباب التي أدتا إلى فرض حالة الطوارئ أو تطبيق قانون الطوارئ، أو لتقنين استمرار الحالة الاستثنائية، إلا أنه لا تبرير معقول ولا منطق مقبول يجيز أن تتحول الاستثناءات إلى قواعد، ولا الطارئ إلى دائم، خصوصاً إذا كان هذا الاستثناء الحاكم وهذا الطارئ الدائم يتناقض مع الحريات ويجور على حقوق الإنسان، ويمنع التحول الطبيعي نحو الديمقراطية.

mamdoh77t@hotmail.com