تعد الحروب مما يسهل التورط فيه بصورة خادعة، لكن الخروج منها أصعب بكثير مما نتصور، وخاصة عندما لا تسير الأمور على ما يرام.
وقد عرف الرئيس جورج دبليو بوش هذه الحقيقة، بالطريقة الصعبة، مؤخراً، مع دخول حربه في العراق عامها الخامس، وهو يدخل هذا العام الخامس وقد أنفق بالفعل 400 مليار دولار بحماقة، ولقي 3200 من رجال الجيش والبحرية مصرعهم وجرح 50 ألفا غيرهم أو أصيبوا من دون أن يبدو في الأفق إلا المزيد من هذا القبيل.
هل تتذكرون خريف 2002 وبداية 2003؟ كيف أن الأمر سيكون سهلاً ويسيراً؟ كيف أن عائدات النفط العراقي ستتكفل بتسديد معظم التكلفة؟ كيف أن قواتنا في معظم الحالات ستلقى الترحيب بالزهور والحلوى باعتبارها قوات تحرير؟ كيف أن إسقاط دكتاتورية صدام حسين ستولد موجة ديمقراطية من شأنها أن تكتسح الشرق الأوسط؟
لقد أعلن الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني، ويا للأسف، كولن باول وزير الخارجية الأميركي آنذاك ـ أعلنوا جميعاً ـ أن غزو العراق أمر حيوي بالنسبة لأمننا القومي ومصالحنا الوطنية، وأكدوا جميعاً أن صدام لديه أسلحة دمار شامل وأنه قطع شوطاً طويلاً في الطريق إلى تطوير أكثر أسلحة الدمار الشامل قدرة على إثارة الخوف والفزع، أي القنبلة النووية.
وكان جورج تينيت مدير المخابرات المركزية الأميركية آنذاك على يقين من أن هذه معلومة مؤكدة، على الرغم من أن الكثير من محلليه وآخرين في وكالة استخبارات الدفاع والخارجية ووزارة الطاقة وغيرها كانوا متشككين في ذلك وبعضهم لم يقروا ذلك بالمرة.
وعلى الجانب الآخر من نهر البوتوماك، أي في البنتاغون، تجاوز دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الخطة الطارئة التي تم التفكير فيها بمزيد من العناية لغزو العراق، وهي خطة اقتضت أن يقوم 400 ألف جندي أميركي وحليف بالاستيلاء على العراق وإحكام السيطرة عليه، واعتمد بدلاً منها التكتيكات التي برهنت، فيما يبدو، على فعاليتها في أفغانستان، ونحى رامسفيلد جانباً مبدأ سلفه الجمهوري كاسبار واينبرجر الذي تبناه في وقت لاحق كولن باول، باعتباره شيئاً عفا عليه الدهر، وجعلته القنابل «الذكية» الموجهة بالأقمار الصناعية شيئاً لا أهمية له.
وساهمت في ذلك طائرات «بريديتور» والمنتجات الأخرى باهظة التكلفة التي يقدمها المتعاقدون الدفاعيون، وذهب إلى القول بأنه من المؤكد أن فرقتين من الجيش والبحرية ستكونان كافيتين لإسقاط صدام، ولدى انجاز هذا أبلغ المحافظون الجدد الملتفون حول رامسفيلد وتشيني بوش بأن كل ما يتعين علينا القيام به هو تسليم مقاليد السلطة في العراق إلى صديقهما أحمد الجلبي، الذي لم يشمل موجز سيرة حياته العملية المشاركة في جلب العناء الذي أنزله صدام بساحة الشعب العراقي. هذا أمر غير مهم، فالجلبي سوف يمسك بمقاليد الأمور، ومعظم القوات العراقية ستحزم أمتعتها وتعود إلى الوطن في صيف 2003 على أبعد الاحتمالات.
لن يكون هناك بناء للأمة باهظ الكلفة، وهو الأمر الذي كرهه كل من رامسفيلد وبوش، ولا حاجة لخطة لعمليات أمنية بعد الحرب تتجاوز اعتقال قلة من البعثيين الذين وصلوا إلى طريق مسدود. وفي حقيقة الأمر إن الجنرالات الذين أشاروا إلى أنه قد يكون من الحكمة القيام بقليل من التخطيط حال ساءت العاقبة قد أمروا بأن يلزموا الصمت وإلا طردوا من الخدمة.
لم يتضح أن أياً من هذه الأفكار صحيح، باستثناء فكرة واحدة، وهي أن قوة غزو صغيرة تعد كافية للإطاحة بالدكتاتور، ونحن الآن في العام الخامس من حرب دامت وقتاً أطول من الحرب العالمية الثانية ولها كلفة تفوق كلفة حرب فيتنام، والأمة التي وافقت على إدارة الرئيس بنسبة 70 % لا توافق عليها الآن بالنسبة ذاتها تقريباً، وتلك الأمة أكدت عدم موافقتها بتسليم السيطرة على الكونغرس للديمقراطيين في الخريف الماضي.
لا يزال بمقدور الرئيس أن يراوغ بين الحين والآخر، ولكن كل ما يمكنه أن يعد به الآن ـ مع وجود 150 ألف جندي أميركي يعملون وسط حرب أهلية أطلقتها أعمالنا ـ هو تقديم المزيد من الشيء ذاته، ذبح المزيد من العراقيين، ذلك وما أبلغ به الأمة من أنه: «ستكون هناك أيام جيدة وأخرى سيئة»، وبمقدوري أن أعد الرئيس القادم من تكساس بأن هذه الحرب سيئة الطالع والتخطيط والإدارة ستكون تراثه الأخير، عندما يقوم في غضون 22 شهراً بحزم أمتعته والتوجه إلى مزرعته في كروفورد، سيظل العراق معلقاً في رقبته، ورقاب تشيني ورامسفيلد وبول وولفويتز. وريتشارد بيرل ودوغلاس فيث.
ولا شك في أن المتعاقدين الذين انتفخوا كحشرات القرادة على مليارات الدولارات التي امتصوها من دماء الناس سوف يحررون الشيكات لكي يشيدوا لجورج دبليو بوش مكتبة رئاسية رائعة حقاً في الحرم الجامعي لجامعة ساذرن ميثوديست، ستكون هذه المكتبة كلها كذبة، شأن الأكاذيب التي أدلت بها الإدارة الأميركية لقرع طبول الحرب قبل خمس سنوات.
ترى كيف سيصور القائمون على المكتبة الرئاسية المؤسسة العسكرية المحطمة؟ الدستور المنتهك؟ القوانين التي تمت مخالفتها؟ القوات الكسيرة التي عاد جنودها إلى الوطن وقد فقدوا أطرافهم أو عيونهم أو مساحات من أذهانهم؟ الوعود التي لم يتم الوفاء بها برعاية عائلات من قتلوا في الحرب أو قدامى المحاربين الجرحى أنفسهم؟
كيف سيصورون الفساد الحقيقي والروحي الذي حمله هذا الرجل والضالعون معه على كاهل أمة وشعب كان بمقدورهما يوماً أن يفخرا بمكانهما في هذا العالم؟
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص ل: «البيان»