احتفلت مصر في شهر يونيو الماضي بمرور مائة عام على بداية ظهور أول فيلم سينمائي عام 1907.وبالطبع لم يكن ذلك الفيلم الذي صوره وأخرجه كل من عزيز بندرلي وأمبرتو مالافاس دوريس فيلماً بالمعنى المتعارف عليه حاليا. فلم يكن سوى فيلم تسجيلي يرصد نشاطات الخديوي عباس حلمي الثاني وحاشيته، لذلك فقد جاء عنوانه كالتالي «زيارة جناب الباب العالي للمعهد العلمي بمسجد أبي العباس».

ويلفت النظر هنا الطابع التسجيلي للفيلم، فلم يكن مفهوم السينما كإمتاع وإبهار وتعامل مع الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي غير موجود في ذلك الوقت.كما أن هذا الفيلم ارتبط بالسياسة بشكلٍ غير مباشر من حيث تعلقه بنشاطات الأسرة الحاكمة في مصر، واحتفائه وتتبعه لتلك الأنشطة.

إضافة لذلك فقد كان ظهور هذا الفيلم وما تبعه من أفلام أخرى في مدينة الإسكندرية الأكثر انفتاحاً وتطوراً مقارنة بالعاصمة القاهرة البعيدة نسبيا عن التوافد الأجنبي المتمركز في الإسكندرية. ورغم ذلك فقد انتقلت صناعة السينما بعد ذلك إلى مدينة القاهرة في أعقاب اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 التي أثرت على مدينة الإسكندرية بدرجة كبيرة مقارنة بغيرها من المدن المصرية الأخرى، وبشكلٍ خاص العاصمة القاهرة، التي أصبحت فيما بعد «هوليود الشرق».

لقد فتح الفيلم التسجيلي عن الخديوي وحاشيته الباب أمام المزيد من إنتاج الأفلام الفنية التي ظهرت فيما بعد، ومهد الطريق، رغم تسجيليته الواضحة، أمام صناعة السينما في مصر ومن بعدها في العالم العربي. ومنذ تلك البدايات الباكرة استطاعت السينما أن تفرض نفسها كصناعة من ناحية وكفن من ناحية أخرى، مع صعوبة الفصل بين الجانبين. ورغم الجدل العقيم الذي دار في عالمنا العربي طوال تلك الفترة، ومازال يدور حتى الآن حول جدوى صناعة السينما والأدوار الاجتماعية التي تضطلع بها، فقد استمرت السينما تنحت طريقها بمشقة تارة وبيسر تارة أخرى. والأهم من ذلك أنها قد أصبحت ركناً أساسيا من حياة المواطن العربي بعامة والمصري بخاصة.

مرت مائة سنة منذ ظهور فيلم عزيز ودوريس، ومنذ ذلك الحين تغيرت أوضاع السينما المصرية بدرجة كبيرة موازية لتغير النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فلم تكن السينما طوال المئة سنة المنصرمة بعيدة بأي حال من الأحوال عن المحيط الاجتماعي الملاصق لها والضاغط عليها في الوقت نفسه.

فالسينما في فترة ما قبل ثورة يوليو 1952 ليست مثلها وهى في أحضان الثورة وخطابها الأيديولوجي الزاعق، كما أنها ليست مثلها إبان فترة الانفتاح الاقتصادي والتحولات الاقتصادية الحادة التي واجهها المجتمع المصري منذ عصر السادات وحتى الآن. وعبر كل هذه الفترات كانت السينما هى المعادل الفني، إذا جاز اللفظ، لتحولات الواقع المصري وقضاياه المختلفة.

وعبر كل هذه الفترات كانت السينما المصرية تتلون حسب توجهات النظام السياسية والأيديولوجية المختلفة. ورغم بعض المحاولات التي كانت تحاول من خلالها السينما المصرية أن تعرض لرؤيتها الخاصة بها، والتي قد تكون مناوئة لتوجهات النظام السياسية وخطابه الأيديولوجي، فإنه يمكن القول بأن المنتج السينمائي لم يكن يحيد بدرجة كبيرة عن إملاءات السلطة ورقابتها المسبقة.

لقد أدركت السلطة السياسية في مصر على مختلف العصور أهمية السينما في توجيه الرأي العام، وخلق انطباعات معينة نحوه. وربما يبرز هذا التوجه بدرجة كبيرة من الوضوح من خلال تلك الإملاءات الناصرية الاشتراكية التي فرضتها الدولة على الفن بدرجة أو بأخرى. ولا تكمن خطورة السينما فقط من خلال استخدامها لبث توجهات وأفكار معينة، لكنها تكمن أيضاً من خلال خلق حالة واسعة النطاق من التفاهة والتسطيح وعدم الارتباط بالقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المعيشة.

فالسينما في النهاية مثلها مثل أى نوع آخر من الفنون والآداب، رغم جوانبها الجمالية الراقية، فإنها وليدة الواقع المعيشي، ومرتبطة به، ومعبرة عنه في الوقت نفسه. وفي ظل هذا الانتشار الواسع المدى للسينما فإن تأثيراتها تتعدى الأطر الضيقة المحدودة إلى الأطر المجتمعية الشاملة، وهو ما وعته أجهزة الدولة في مصر عبر الفترات السياسية المختلفة، وأنشأت من أجله الأجهزة الرقابية المختلفة.

ورغم الكم الهائل من المنتج السينمائي المصري طوال القرن العشرين، مروراً بالسنوات المنصرمة من القرن الواحد والعشرين، فإن العدد القليل من هذه الأفلام هو الذي استطاع أن يغامر بتناول التابلوهات المحددة سلفاً من قبل السلطات السياسية والمراجع الدينية والأعراف الاجتماعية.

فالموضوعات السياسية والجوانب الدينية والمسائل الجنسية مازالت بعيدة عن التناول السينمائي الجاد والرصين مقارنة بآلاف الأفلام التي تناولت القضايا الاجتماعية المختلفة. وهو الأمر الذي يضع العديد من التحديات أمام السينما المصرية في الفترات المقبلة، خصوصاً إذا ما وضعنا في الاعتبار حالة التردي التي تواجهها السينما المصرية الحالية.

ورغم مرور مئة سنة على ظهور أول فيلم مصري عام 1907، فإن السينما المصرية تواجه الآن حالة غير مسبوقة من التردي وضعف الإنتاج وتفاهته. وهو الأمر الذي يمكن معه القول بأن معظم ما تنتجه السينما المصرية الحالية ليس له من هدف سوى تسطيح المشاهد وتفريغ شحناته الإنسانية والفكرية في آن واحد. وهو ما يجعلنا نطلق على السينما المصرية المعاصرة سينما التسطيح وتفريغ شحنات المشاهدين.

تواجه السينما المصرية المعاصرة العديد من التحديات التي تستدعي تدخل كافة الجهات المعنية، بما فيها الدولة التي رفعت أيديها كاملة عن تدعيم وتوجيه صناعة السينما، وتركت الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام التجار والمقاولين للدخول في صناعة الإنتاج السينمائي.

فالسينما المصرية لم تعد منفردة بالساحة العربية مثلما كان عليه الحال في فترات تاريخية سابقة، فهناك السينما المغاربية والسورية. إضافة إلى ذلك هناك العديد من الفضائيات العربية التي تعتمد على عرض الأفلام الغربية والهندية وغيرها من المنتجات السينمائية الأخرى. ورغم ذلك فما زالت السينما المصرية تمارس قدراً كبيراً من التأثير على المشاهد العربي، وهو ما يفرض عليها ضرورة تطوير منتجاتها، وعدم المساهمة في تسطيح المشاهد العربي الذي لا تنقصه كافة أشكال التسطيح المحيطة به.

تتطور صناعة السينما ضمن سياق اجتماعي وسياسي واقتصادي متطور أيضاً. فالسينما ليست نبتاً شيطانيا، بقدر كونها نبتاً يحمل ملامح السياق الذي توجد فيه. من هنا فإن أية محاولة لإصلاح السينما المصرية المعاصرة في عيدها المئوي الأول يستدعي إصلاحات أخرى كثيرة على كافة المستويات المجتمعية.

سوف تشهد السينما المصرية وهى تستهل مئويتها الثانية المزيد من التدهور والتسطيح والهشاشة وهى توصيفات بقدر ما تصف السينما المصرية الحالية فإنها تقف علامات واضحة وبارزة على المرحلة التاريخية ذاتها.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com