يعتبر عالم الإنترنت عالماً كائناً بذاته، لا تحكمه قواعد اللعبة والسلوك في عالمنا الإنساني الحقيقي، رغم أن الفاعلين فيه هم من أعضاء العالم الحقيقي. فهو عالم بات يمثل مجالاً مهماً من مجالات إبراز أنماط من السلوك البدائي الأول القائم على اللامعيارية وانتفاء أسس التساند الاجتماعي.
وهو عالم في بعضه مليء بسواقط الحضارات وبقيم مجتمعات اللادولة وفضاءات الغاب في شكلها البدائي الأول.. فمن خلاله تبرز صور الإنسان المتوحش الساقط من القيم والضوابط، ليس الدينية فحسب وإنما من المعايير الإنسانية البسيطة الضابطة للسلوك البشري في عالمنا الحقيقي والمرئي.
وإذا ما كان البعض يشكو من حالة الفوضوية العامة التي تمسك بعالمنا الحقيقي فإن عالم الإنترنت لا يبدو أنه قابض بأي من هذا. فهو في بعضه عالم ترى فيه من الصور ما لا تراه في عالمك الحقيقي. كما أنك تقرأ فيه كلمات، أقل ما قد يقال عنها، بأنها ساقطة الحياء، مستفزة بشكل شره لعالمنا المتوحش المتعطش للقتل ورائحة الدم.
ألم تلاحظوا أن كل عمليات القتل الموصوفة بالإرهاب لا تشاهدها إلا من خلال هذا العالم الجديد، كما أن كل دعوات القتل والانتحار وكذا هو الإغواء بأشكاله ومسمياته المختلفة لا تتم إلا من خلال هذا العالم الذي أصبح بالنسبة للبعض فضاءً مهماً لتدمير قيم الإنسانية في التسامح والحب والسمو.
ولا أعتقد أن الخطورة في هذا العالم مصدرها السواقط من السلوك والممارسات فحسب وإنما في أن يكون هذا العالم مصدراً يبث من خلاله كل الموتورين والساقطين والمشحونين بعفن التاريخ كل أحقادهم وكراهيتهم لعالمنا الإنساني الحقيقي. وستكون الكارثة في أن يتمكن هؤلاء بفعل ذلك من ان يشكلوا كل مواقفنا وشبكة علاقاتنا في عالمنا الإنساني وأن يدمروا كل جميل فيه.
وقد ساعد الانتشار الكبير لوسائط الاتصال في فضاءات لا تتناغم في جلها مع الفضاء التكنولوجي الجديد في أن يوظف كل ذلك لأجل سرمدة أنماط من العلاقات والقيم والاتجاهات يراد لها السيادة. وفي أن تكون مواقع الدوائر المغلقة والتي في بعضها أقرب إلى مواقع أشباح أنترنتية، ونتيجة لغياب تصور واضح للدولة وضيق مساحات التعبير والحرية في المنطقة العربية، مصدراً «للمعرفة والمعلومة»!! والخبر.
انظروا كيف يتم تناقل بعض المقالات والصور المحظورة على المواقع الأنترنتية المختلفة. ألم تلاحظوا كذلك مستوى اللغة الموظفة في هذه المواقع والخالية من الضوابط الأخلاقية، بل أمتد ذلك ليشمل بعضاً من صحافتنا العربية.
وتتقاسم جماعات مختلفة الهوى والنوازع هذه المواقع في المنطقة العربية، والتي بفعل أطراد وتيرة التحول التقني، قد أصبحت مستعصية على الضبط والمتابعة ولربما الرصد. فهذه الشبكة العنكبوتية قد أصبحت واحدة من أخطر وسائط التشكل القيمي الجديد في المنطقة العربية.
فبعض هذه المواقع يروج لقيم أقل ما توصف به هو الانحلال وبعضها الآخر بات مصدراً لبث سموم الانشقاق بأشكاله ومسمياته المختلفة. ورغم أن بعضاً من هذه المواقع قد رفع راية الدين شعاراً له إلا أن زيارة واحدة لمواقعه تكشف لك أن الدين الذي وحد هذه الأمة وبعثها من جديد قد أصبح على يد هؤلاء مصدراً للفرقة والجمود الفكري.
إنه حقاً عالم ينسج فيه البعض كلاماً أقرب إلى الخيال، إلا أن الخيال يبقى في أن يصبح هو الحقيقة. ومع ذلك يبقى النور هو مصدرها الذي لا يمكن أن ترى الحقيقة إلا من خلاله ويبقى الظلام موطن الأشباح والخفافيش والجيف.
كاتب بحريني