على عكس ما نتوهم فان العنصرية لم تظهر مع الزعيم الحالي لليمين المتطرف في فرنسا: جان ماري لوبين الذي أصبح في حكم المنتهي سياسيا ولا حتى مع هتلر وموسوليني، وإنما لها تاريخ طويل عريض في الغرب. ولا يمكن أن نفهم انتعاشها حالياً إذا لم نفهم جذورها التاريخية.

صحيح أن ضربة 11 سبتمبر والعمليات الإرهابية الأخرى ضد مدريد ولندن وسواهما زادت من حدتها وأحرجت جدا موقع الجاليات الإسلامية في الغرب على الرغم من أنها بريئة في غالبيتها. فالمتطرفون يبقون أقلية على الرغم من كل شيء. ولكن ينبغي أن نموضعها ضمن منظور «المدة الطويلة» كما يقول المؤرخ الشهير فيرنان بروديل لكي نفهم جذورها الدفينة أو العميقة.

والواقع أنها ابتدأت بالتشكل كعقيدة منذ القرن السادس عشر عندما استعمر الأسبان أميركا وقضوا على سكانها الأصليين: الهنود الحمر. ولم يعتبر الأسبان أنفسهم مستعمرين وإنما قالوا بأنهم جاؤوا لتحضير الهنود الحمر ورفع مستواهم. فقد اعتبروهم أدنى مستوى من الناحية الثقافية والبيولوجية والجسدية والعنصرية. فالعنصر الأوروبي هو وحده الحضاري في رأيهم وبقية العناصر همجية أو بربرية.

وبالتالي فمنذ بداية الاستعمار والتوسع الأوروبي ابتدأت الإيديولوجيات العنصرية بالتشكل والظهور.وقد استخدمت كتبرير للاستعمار بالذات. وبلغت ذروتها في القرن التاسع عشر عندما أصبح تفوق أوروبا التكنولوجي والعلمي والصناعي على جميع شعوب الأرض واضحا جليا. فالتفوق يشعرك بالأهمية والاستعلاء والغرور. وهذا ما حصل للأوروبيين عندما تقدموا كثيراً ورأوا الآخرين يتخبطون في جهلهم وتخلفهم.وعلى هذا النحو تشكلت العرقية المركزية الأوروبية.

كان منظّر العنصرية الأكبر في القرن التاسع عشر هو آرثرغوبينو (1816-1882). فقد أسس عنصريته على قواعد علمية مزعومة أو متوهمة أنها علمية. ومن المعلوم أن علم البيولوجيا (أو نظرية التطور) قد ساهمت في تقوية التيار العنصري في القرن التاسع عشر.

وكان الجميع يعتقدون آنذاك بأن هناك فرقاً نوعياً بين الأعراق البشرية. وسيطرت هذه الفكرة حتى على كبار المفكرين من أمثال ماركس أو غيره. نعم حتى ماركس وقع تحت سيطرة هذه الايديولوجيا التي طغت على الجميع آنذاك. ولكن علم البيولوجيا الحديث أثبت خطأ هذه النظرية لاحقاً.وكذلك علم الانتربولوجيا.

مهما يكن من أمر فإن غوبينو راح يؤسس عنصريته على التشريح المقارن للدماغ. وتوصل إلى نتيجة مفادها أن دماغ الأوروبي أكثر تفوقاً أو ذكاء من دماغ بقية الشعوب الأخرى!... وينبغي أن نعلم بهذا الصدد أن أوروبا المثقفة في نهاية القرن التاسع عشر كانت مقتنعة تماماً بوجود أعراق بشرية عليا وأعراق بشرية دنيا. وقد ازدهرت أفكار غوبينو في ألمانيا بشكل خاص وشكلت تياراً عنصرياً قوياً بلغ ذروته في عهد هتلر والنازية.

وأما الفاشية في إيطاليا فقد بررت استعمارها للشعوب الأخرى عن طريق القول بأن السود أو العرب ينتمون إلى عنصر أدنى من العنصر الأوروبي. ولذلك فينبغي استعمارهم وإدخالهم في الحضارة أو إخراجهم من مرحلة البدائية الهمجية. وفي البلدان الروسية أو السلافية توصلوا إلى نفس النتيجة أيضاً وقالوا بأن العرق السلافي هو أرقى أنواع الأعراق البشرية!...

من هنا نظرية التطهير العرقي التي اتبعها الصرب مؤخراً ضد المسلمين في البوسنة. فعلى الرغم من سقوط العنصرية في الغرب الحديث المتقدم إلا أنها لا تزال مهيمنة في البلدان السلافية أو الصربية المتخلفة. هكذا نجد ان الإيديولوجيا العنصرية تعتمد على علم البيولوجيا والصبغيات والوراثة من أجل القول بوجود عناصر عليا/وعناصر دنيا.

ثم تقول بأنه يحق للعناصر العليا أن تسيطر على الدنيا وأن تستغلها بل وتستأصلها تماماً إذا لزم الأمر. وبالتالي فإن اعتناق النظرية العنصرية يؤدي إلى العدوان والتوسع بدون شك. في الواقع إن العنصري يفترض الفرضيات الثلاث التالية:

1. هو أنه توجد عناصر بشرية خالصة أو صافية لا تشوبها شائبة (كالعنصر الآري أو الأوروبي، الخ...).

2. هو أن هذه العناصر متفوقة على غيرها.

3. هو أن هذا التفوق يسمح لها بأن تهيمن سياسياً على غيرها.

ولكن عندما نتفحّص هذه الفرضيات الثلاث نجد أنها خاطئة. فقد أثبت العلم المعاصر بأنه لا توجد عناصر صافية أو خالصة، وإنما العناصر البشرية امتزجت ببعضها البعض على مرّ التاريخ. في الواقع إن العنصري يخلط بين العنصر البيولوجي/وبين الجماعة اللغوية أو القومية.

فالعرب مثلاً يتكلمون نفس اللغة، ولكن ليس مؤكداً أنهم ينتمون جميعاً إلى نفس العنصر أو العرق الصافي الذي وجد في شبه الجزيرة العربية أولاً. فقد اختلطوا بشعوب أخرى عن طريق الفتح وتزاوجوا معها وامتزجوا بها.

وبالتالي فالقومية العربية تقوم على اللغة والثقافة والقيم الروحية والأخلاقية لا على العنصر البيولوجي. وقل الأمر نفسه عن الألمان والطليان والأسبان والفرنسيين... ففرنسا مثلاً تشكلت عن طريق الهجرات المتتالية وتمثُّل هذه الهجرات وصهرها على مدار القرون. فهل يمكن بعد ذلك أن نتحدث عن وجود عرق فرنسي خالص أو صافٍ كما يزعم اليمين المتطرف؟

ولماذا نجد إذن فرنسياً أشقر بالخالص، وفرنسياً أسمر، وفرنسياً أبيض؟... وعلى فرض أن هذا العرق الصافي موجود فلماذا يحق للفرنسيين أو للألمان أن يسيطروا على غيرهم؟ ثم إن التفوق البيولوجي (أو العرقي) لا يعني بالضرورة التفوق الثقافي أو الفكري...

بالطبع فإن كلامنا السابق لا يعني عدم وجود اختلافات في عناصر البشر. فالتجربة العملية المحسوسة تثبت لنا أن هناك العنصر الأبيض، والعنصر الأسود، والعنصر الأصفر... فالصيني يختلف شكلاً عن العربي أو الأوروبي، والإفريقي الأسود يختلف شكلاً عن الجميع.

هذا شيء واضح لا غبار عليه. ولا داعي لإنكاره لأنه ليس عيباً. والعنصرية لا تتغذّى من ذلك، وإنما تتغذَّى من القول بأن العنصر الأوروبي الأميركي الأبيض والأشقر هو الأكثر تفوقاً وبالتالي فيحق له أن يسيطر على الجميع!... فقد أثبتت التجربة أن العنصر الياباني (وهو عنصر أصفر) استطاع أن يسيطر على العلم والتكنولوجيا مثل الأوروبي وأكثر.

والآن أصبح الصيني أو الهندي على وشك تحقيق نفس الهدف. فكيف يمكن القول بأن العنصر الأوروبي أفضل من العنصر الصيني أو الياباني؟ وقد أثبت العرب في الماضي أنهم قادرون على صنع الحضارة والتقدم العلمي والفلسفي والأدبي بعد أن حملوا راية الإسلام إلى شتى أنحاء المعمورة.

فهل يمكن القول بأنهم أدنى مستوى من العنصر الأوروبي أو الياباني؟ بالطبع لا.ولكن سوف نظل مزدرين على الصعيد الدولي ما لم نعد إلى سابق عهدنا ونساهم من جديد في صنع الحضارة بل وتقديم أشياء جديدة لها. وهذه هي المهمة المطروحة علينا في المستقبل القادم.هذا أكبر تحد.

وأخيرا يمكن القول بان العنصرية قد توجد في جميع الشعوب. فالتعصب القومي ليس حكراً على الفرنسيين أو العرب أو اليابانيين، وإنما قد يوجد بدرجات متفاوتة لدى هذا الشعب أو ذاك، وبحسب الظروف والمنعطفات التاريخية. لقد أحسن الرئيس ساركوزي صنعا عندما أدان العنصرية وجرائم الاستعمار بكل وضوح أثناء جولته الأخيرة في إفريقيا.

وكنا ننتظر هذا الموقف من قادة الغرب منذ زمن طويل. ولا نقول ذلك لكي نعفي أنفسنا من كل مسؤولية عن التخلف الحاصل في بلادنا وإلقاء التبعة كلها على الفترة الاستعمارية البغيضة. فالواقع إن أنظمة ما بعد الاستقلال مسؤولة أيضاً لأنها حكمت البلاد منذ أكثر من نصف قرن ولا تزال. ومع ذلك فان الشعب لا يزال ينتظر التنمية والعدالة والديمقراطية والحرية..

كاتب سوري

باريس