قائد سلاح البر الأميركي الجنرال جورج كايسي، اعتبر أول من أمس أن الأمن يتحسن يومياً في العراق. وفي نفس توقيت تصريحاته التي بدت مبشرة وتبعث على التفاؤل، خاصة وانه قال أيضاً ان «التقدم مستمر والتعزيزات أعطت مفعولها العسكري المنتظر»، كان شمال العراق على موعد مع زلزال من التفجيرات المرعبة التي وصفت بأنها الأبشع طوال عمر الاحتلال. فقد سقط أكثر من 220 قتيلاً ـ حتى كتابة هذه السطور ـ إلى جانب أكثر من 400 جريح.
وهذه الحصيلة المفجعة من الخسائر البشرية نتيجة لأربعة اعتداءات بشاحنات مفخخة استهدفت ليلة أول من أمس تجمعات وقرى إيزيدية في قضاء البعاج شمال العراق، وبالتحديد على مسافة 475 كيلومتراً من العاصمة العراقية. والمنطقة التي وقعت فيها التفجيرات تبعد مئة كيلومتر فقط عن الحدود العراقية السورية.
وقع انفجاران من الأربعة في ناحية القحطانية والآخران في ناحية العدنانية. والحصيلة يمكن أن ترتفع لأن عدداً من الضحايا ما زال تحت الأنقاض. والى جانب القتلى، فقد انهار أكثر من عشرين منزلاً بالكامل فيما دمرت عشرات المنازل المجاورة بصورة كبيرة.
هذه الهجمات التي وصفت بأنها من أخطر التفجيرات الانتحارية التي شهدها العراق منذ سقوط بغداد عام 2003، تكشف عن حقيقة جديدة مؤلمة، وهي أنه حتى الأماكن التي صنفت في ظل حوادث العنف الدامي بأنها مناطق آمنة، صارت هي الأخرى مستهدفة وتحت طائلة العنف. وقد اعترف الناطق باسم البيت الأبيض دانا بيرينو ان منفذي هذه التفجيرات يواصلون إظهار إلى أي مدى سيذهبون لمنع العراق من أن يصبح دولة مستقرة وآمنة.
ما حدث ليلة أول من أمس، يزعج بالتأكيد قوات الاحتلال وقادة البنتاغون، وعلى رأسهم الجنرال جورج كايسي الذي تزامنت تصريحاته عن التحسن الأمني مع زلزال التفجيرات في القرى الإيزيدية. وبالتأكيد لن يكون الرأي العام الأميركي المتابع لحقيقة ما يجري على الساحة العراقية منزعجاً منها بحكم اعتياده على سماع مثل هذه الأنباء المفجعة.
فقبيل وقوع التفجيرات الرباعية، كانت شبكة «سي بي اس» الإخبارية الأميركية تبث استطلاعاً لها، يؤكد أن غالبية الأميركيين متشائمون من الأوضاع في العراق، أو بالتحديد يرى ثلثا الأميركيين أن أحوال العراق تسير بشكل سئ.
ان العنف الدامي الذي تجاوز حدود الجغرافيا المعتادة وانتقل إلى المناطق الآمنة، يزداد توحشاً، ويثير المخاوف من أن يؤدي إلى زيادة حالة الاحتقان الطائفي التي يعاني منها هذا البلد العربي الكبير الذي لا يسلم يوماً من حمامات الدم.
والسؤال المعتاد الذي نردده كلما اتسعت دائرة العنف فوق أرض الرافدين، هو إلى متى يظل العراق ينزف ولا يرى نهاراً مشرقاً يسوده الهدوء ويبعث الطمأنينة في نفوس شعب حرم على مدى أربع سنوات أو أكثر من طعم الاستقرار والأمن؟
العراق ينزف، والمتفرجون خارج حدود أرضه يتزايدون، وآن للصامت أن يتحرك بفاعلية لينقذ وطناً من أعز الأوطان وأعرقها ثقافياً وحضارياً، وطناً خيره في باطن أرضه كثير وكفيل بأن تشيد به نهضة جديدة تغني شعبه عن سؤال الآخرين. على المتفرجين الصامتين أن يمدوا أياديهم إلى العراق لمساعدته على تجاوز محنته ورفع أذى الآخرين عنه.
