ربما لا يحفل الإعلام العربي كثيراً بما يصدر عن المنظمات الموثوقة لحقوق الإنسان رغم أنها تهدي إلينا عيوبنا لنعالجها أكثر مما تكشف سوءاتنا لتشهر بنا، ومع الإعلان عن التقرير السنوي الذي أصدرته المنظمة العربية لحقوق الإنسان قال الأمين العام للمنظمة محمد فائق: «إن مشهد حقوق الإنسان على الساحة العربية قد حفل في العام 2006 بسلسلة من أسوأ التطورات التي شهدتها المنطقة خلال العقد الماضي».
ورصد محمد فائق مشاهد عدة في أكثر من موقع في الوطن العربي تبرز هذا الأسوأ، حيث العدوان الإسرائيلي المستمر في احتلاله للأراضي العربية على مدى 40 عاماً، وحيث تصعيد هذا الاحتلال عدوانه المفتوح على الشعبين الفلسطيني واللبناني بما أدى إلى استشهاد الآلاف من المدنيين وتدمير البنى التحتية في البلدين العربيين.
وحيث تستمر في العراق حمامات الدم المأساوية، مع تدهور الوضع الأمني الشامل وزيادة بطش قوات الاحتلال الأنجلوأميركية بالمواطنين العراقيين المدنيين، وانتشار جرائم المرتزقة، والمزيد من سفك الدماء لفشل الخطط الأمنية، ولتصعيد الفتنة الأهلية، وأعمال التطهير العرقي والمذهبي.
وفي الصومال حيث يتواصل الاحتلال الإثيوبي بدعم أميركي مما أدى إلى تدهور مريع للأوضاع الأمنية والإنسانية بسبب جرائم القوات الأثيوبية التي تنتهك حقوق الإنسان.
وفي السودان حيث يستمر النزاع المسلح في دارفور بسبب رفض بعض الفصائل المستمرة التوقيع على اتفاق السلام، مما يؤدي إلى استمرار المأساة الإنسانية لأبناء دارفور، وفي اليمن حيث يستمر النزاع المسلح بين الجيش اليمني والحوثيين في إقليم «صعدة» والذي يودي بحياة العشرات من الطرفين المتنازعين.
وفي لبنان حيث تستمر المواجهة الدامية بين الجيش اللبناني وجماعة «فتح الإسلام» في مخيم «نهر البارد» مما أدى إلى تشريد آلاف اللاجئين الفلسطينيين ومصرع العديد من الأبرياء المدنيين، وفي فلسطين المحتلة حيث وقع المحظور بالاقتتال بين عناصر حركتي فتح وحماس في قطاع غزة في تجاوز للخطوط الحمراء بما أدى إلى ازدياد سوء الأوضاع الإنسانية على سكان القطاع المحاصر دولياً وعربياً.
هذه المشاهد الدامية لا شك تعني الكثير من الانتهاكات لحقوق الإنسان العربي وأبرزها حق الحياة وحق الأمن.
وقد استعرض التقرير مشاهد أخرى مدانة مثل إصدار تشريعات مجافية لحقوق الإنسان باسم مكافحة الإرهاب، مندداً باستمرار فرض حالة الطوارئ سواء بشكل قانوني أو واقعي كلي أو جزئي، كما كشف عن انتهاكات متزايدة لحق الإنسان العربي في الحياة بسبب ضحايا الحرب الدولية غير المنضبطة ضد الإرهاب حيث يتعرض للقتل أو الاختطاف أو الاعتقال لمجرد الاشتباه بغير تهم ولا محاكمة، لكن ما يجعلنا أكثر ألماً هو أن يقع الاعتداء على حقوق الإنسان العربي من السلطات العربية ، فحينما يرصد لنا التقرير انتهاكات لحقوقه في الحرية والعدالة والأمن، وحينما يتعرض بعض المعارضين السياسيين والكتّاب والصحافيين للقمع والاعتقال ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية والاستثنائية فذلك يمثل اعتداءً على حق الإنسان في العدالة والحرية والأمن.
لكن الأسوأ هو استمرار الاعتداءات على حق الإنسان العربي في الكرامة بسبب سوء أحوال السجون وظروف الاعتقالات والتعذيب وسوء المعاملة في مواقع يفترض فيها أنها لحماية الإنسان من الاعتداء على حقوقه.
وفي مجال الحق في الحرية يكشف التقرير عن ارتفاع حالات انتهاك الحريات بالنسبة للصحافيين وأصحاب الرأي الذين يكونون عرضة للملاحقة الأمنية أو القضائية وفي بعض الأحيان بالمنع من الكتابة أو للفصل من العمل، كما أدان التقرير منع المسيرات السلمية وقمع حريات الاجتماع وحظر تكوين الأحزاب السياسية المعارضة سواء بإجراءات أمنية أو باستحداث نصوص قانونية.
وكان الأكثر إيجابية في التقرير السنوي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان هو ما أولاه من اهتمام للحقوق الاقتصادية والاجتماعية المهدرة للإنسان العربي حيث أدان ارتفاع حدة الفقر، وضعف الحكومات العربية بدرجات متفاوتة في توفير حقوق الإنسان العربي في الغذاء والعمل والصحة والسكن والتعليم والبيئة وهي المؤشرات الدولية للتنمية البشرية.
وبطبيعة الحال فهذه الانتهاكات تتفاوت كماً وكيفاً من بلد عربي لآخر، كما أن المشهد لا يخلو من مساحات ضوء لكنها أقل من مساحات الظل وأقل بكثير من مساحات الطموح، حيث يستحق الإنسان العربي وضعاً إنسانياً أفضل بكثير مما هو فيه الآن حتى لا يضيع من الإنسان الإنسان.