لم يشهد العالم العربي في تاريخه رواجاً للديمقراطية كما هو الأمر الآن لا سيما بعد أن تولت الولايات المتحدة الأميركية قيادة النظام العالمي الجديد منذ عام 1992 وأحكمت السيطرة المباشرة على المنطقة العربية بعد إعلانها الحرب على الإرهاب عام 2001 واحتلالها العراق عام 2003.

ومن أجل هذا الهدف «النبيل» - أي نشر ثقافة الديمقراطية أو حتى فرضها على الدول والشعوب - أعلنت إدارة الرئيس بوش مبادرات عديدة بمسميات مختلفة كالشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد وخارطة طريق للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بهدف إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية إلى جانب إسرائيل.

كما أن الإدارة الأميركية لم تخف دعمها المطلق لبعض الحكومات والأحزاب والطوائف والأشخاص في العالم العربي لقناعتها بأن الديمقراطية يمكن أن تطبق في هذا المكان أو ذاك بغض النظر عن التداعيات التي قد تكون سلبية وخطيرة في بعض الأحيان أو التداخلات البالغة التعقيد أحياناً لهذا البلد أو ذاك، أو حتى عدم أهلية هذا المجتمع أو ذاك لقبول فكرة الديمقراطية لأسباب موضوعية.

والأمثلة كثيرة بهذا الخصوص، والأصل في هذا الأمر المهم جداً لمستقبل الشعوب العربية يكمن في مساءلة الدول الديمقراطية في العالم الغربي وتحديداً الولايات المتحدة حول كيفية نشر مبادئ الديمقراطية ودعم تطبيقاتها في الوقت الذي تمارس هذه الدول المتقدمة سياسات استعمارية وعنصرية وتخريبية ثبت في كثير منها بالواقع العملي أنها شلت جميع المحاولات لتطبيقات كان يفترض أن تقود إلى إرساء قواعد الديمقراطية الحقيقية وليست الديمقراطية الشكلية.

الديمقراطية الحقيقية تعني حكم الشعب وهذا يجب أن يقود إلى:

أن الشعب هو الذي يملك السلطة السيادية على المجلس التشريعي والحكومة، وأن الحكومة الديمقراطية هي تلك التي تمارس فيها السلطة والمسؤوليات المدنية بواسطة كل المواطنين بصورة مباشرة أو عبر مندوبين عنهم يتم انتخابهم بحرية، وأن الديمقراطية هي مجموعة من المبادئ والممارسات التي تحمي حرية الإنسان؛ إنها بمعنى آخر مأسسة للحرية، وأن تقوم الديمقراطية على أساس حكم الأغلبية المقرون بحقوق الفرد والأقليات. فجميع الديمقراطيات، التي تحترم إرادة الأغلبية، تحمي في الآن ذاته وبالحماس ذاته الحقوق الأساسية للفرد وللأقليات.

وأن تقوم الديمقراطية بدور الحارس الذي يحول دون تحول نظام الحكم إلى حكومة مركزية تمتلك كل السلطة. كما تقوم الديمقراطية بالعمل على نزع صيغة التحكم المركزي بالسلطة ونقلها إلى المستويات المحلية والإقليمية، متفهمة أن الحكومة المحلية ينبغي أن تتصف بسهولة الوصول إليها من قبل الشعب والاستجابة لاحتياجاته قدر الإمكان، وأن النظام الديمقراطي يقوم على حماية حقوق الإنسان الأساسية مثل حرية التعبير وحرية المعتقد وحق المساواة أمام القانون؛

وإتاحة الفرصة للتنظيم والمشاركة بصورة كاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع، وأن الديمقراطية تقود إلى انتخابات دورية حرة ونزيهة تتيح المشاركة الحرة فيها لجميع مواطنيها. فالانتخابات الديمقراطية لا يمكن أن تكون واجهة لدكتاتور أو حزب منفرد يتخفى وراءها، بل ينبغي أن تكون منافسة حقيقية على الفوز بتأييد الشعب.

وأن تخضع الديمقراطية الحكومات لحكم القانون وتؤكد على أن كل مواطنيها يلقون الحماية بدرجة متساوية في ظل القانون وأن حقوقهم يحميها النظام القانوني، وأن تتنوع نظم الحكم الديمقراطية بما يعكس الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية التي ينفرد بها كل مجتمع، وأن المواطنين في ظل الديمقراطية لا يتمتعون بالحقوق فحسب، بل إن عليهم مسؤولية المشاركة في النظام السياسي، الذي يحمي بدوره حقوقهم وحرياتهم.

فهل هذه هي الديمقراطية التي يريدها الغرب وتريدها الولايات المتحدة للعالم العربي أم أن الأمر مختلف تماماً؟

إن مراقبة السياسة الأميركية والغربية في منطقة الشرق الأوسط لا تشير من قريب أو بعيد إلى أن النظام الديمقراطي الحقيقي هو هدف جوهري يراد تطبيقه في العالم العربي من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في العالم الحر لثلاثة أسباب رئيسية:

أولاً، إن الدول الغربية لا سيما الولايات المتحدة غير معنية حقيقة بتحويل العالم العربي إلى واحة ديمقراطية تنعم فيها الشعوب بالازدهار والتقدم والأمن لأن هذا الأمر ببساطة يحتاج إلى جهود سياسية واقتصادية وثقافية كبيرة جداً وإمكانات مادية هائلة. بالتالي هناك شكوك مشروعة حول النوايا الغربية بهذا الخصوص.

ثانياً، لأن الديمقراطية الحقيقية التي تتمتع بالمواصفات التي ذكرت آنفاً - إذا طبقت - لن تخدم المصالح الغربية في منطقة الشرق الأوسط بل الشكل والأسلوب الذي تريده، بل أنها ستبحث أولاً وأخيراً عن الوسائل المناسبة لتحقيق مصالح الشعوب العربية وستقيم علاقات متوازنة مع كل العالم الخارجي من أجل تعزيز وتقوية وحماية هذه المصالح.

وأخيراً، وهو الأهم، أن الديمقراطية هي عملية تطور سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي ذات طابع تراكمي ولا تأتي عبر استصدار قرار داخلي أو خارجي من هذا الطرف أو ذاك ولكن فقط عبر إرادة شعبية ورسمية وإصرار وصبر وعمل دؤوب والذي يتطلب وقتاً طويلاً.

مما سبق يستنتج أي مراقب أنه على صعيد العالم العربي فإن الحديث من قبل العالم الغربي يجري دائماّ عن الديمقراطية الشكلية أكثر مما هو عن ديمقراطية حقيقية وهذا ما يعكسه الواقع العملي، حيث أن هناك العديد من الدول في الشرق الأوسط ومنها أن بعض الدول العربية تتبنى الديمقراطية كشكل عام على الصعيد السياسي - المؤسساتي، ولكنها في الممارسة تستعمل أساليب القمع والاستبداد، وهي تلقى كل الدعم والترحيب والإشادة من الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة.

إن الديمقراطية الحقيقية إن وجدت في مكان أو مجتمع ما فهي وسيلة لتحقيق الأهداف التي يرجوها كل مجتمع من ازدهار وتطور وأمن واستقرار، وبالتالي لا يجب خلط الأمور لتصبح الديمقراطية هي الهدف الذي يجب تحقيقه بأية وسيلة كانت بما فيها التدخل الخارجي في شؤون الدول المستقلة، فالديمقراطية هي خيار شعبي حر وليس قرارا عسكريا وسياسيا خارجيا، وأي دعم خارجي لهذا الخيار يجب أن يتأتي بشكل سلمي وعملي وصادق وليس عبر الاحتلال أو فرض الإرادات كما حصل ويحصل في العراق وفلسطين ولبنان.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com