يقصد بمصطلح التنمية المستدامة التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون الإخلال بقدرات الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها... وهي في هذا المفهوم عملية تغيير.. واستغلال رشيد للموارد وتوجيه للاستثمارات، وتكييف للتنمية التقنية والتطوير المؤسسي بتناسق يعزز الإمكانيات الحاضرة والمستقبلية في تلبية احتياجات البشر وتطلعاتهم... هدفها النهائي ضمان جودة الحياة للأفراد والجماعات من خلال تنمية متكاملة دون إلحاق أضرار بالبيئة... فالتنمية المستدامة عملية تراكمية ممتدة في الزمان والأجيال وصولاً إلى مستقبل آمن.. وهي تقوم على ثلاثة مكونات متفاعلة ومتكاملة هي النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة...

لقد حقق الوطن العربي جملة من الإنجازات في مضمار التنمية المستدامة وظهرت آثارها جلية في حياة المواطن العربي الصحية والتعليمية والاقتصادية.. وانعكست في تحسين مستوى ونوعية الخدمات الصحية والحضرية.. وارتفاع متوسط عمر الفرد.. وانخفاض مستوى الأمية.. وارتفاع مستوى دخل الفرد..

كما انعكست في إصلاحات تشريعية ومؤسسية.. فضلا عن زيادة حصة المرأة العربية في التعليم وفرص العمل... كما شهدت المنطقة العربية بعامة جهوداً واعدة في ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية وصيانة البيئة.. وتناميا في دور القطاع الخاص والمجتمع المدني والمشاركة الشعبية بما في ذلك مشاركة المرأة والشباب في الفعاليات المجتمعية بعامة.

إلا أنه ورغم التقدم المحرز على جميع الأصعدة فإن الدراسات تشير إلى جملة من المعوقات ما زالت تفرض نفسها على مسيرة التنمية العربية المستدامة. لعل في مقدمتها- بل وأكثرها خطورة- التحدي الذي تمثله الحروب والاحتلالات.. وما نشأ عنها من عدم استقرار وغياب السلم والأمن القوميين..

واستفحال حالة الفقر على المستويين العربي والعالمي، فعلى مستوى الفقر العالمي تشير الإحصاءات إلى أن هناك (15 % ) من سكان العالم في البلدان ذات الدخل المرتفع يستهلكون (54%) من مجموع الإنتاج العالمي، في حين أن (40%) من الفقراء في البلدان ذات الدخل المنخفض يستهلكون (11%) من مجموع الإنتاج العالمي.. بحيث أصبح معدل الفقر في الدول النامية يساوي دولارا واحدا يوميا.. فكان أن تراجعت مستويات التعليم والتأهيل.. وأدى هذا التراجع إلى عجز في الكوادر والكفاءات العلمية التي تعتبر الأساس في أي تنمية مستدامة..

ومن العوائق المهمة في قضية التنمية المستدامة يبرز النمو السكاني غير الرشيد وما فيه من زيادة نسبة الشباب في السكان.. مترافقاً مع النمو المتسارع في المدن واستمرار الهجرة من الأرياف إلى المناطق الحضرية وانتشار ظاهرة المناطق العشوائية....كلها أدت مجتمعة إلى تفاقم الضغوط على الأنظمة الإيكولوجية وعلى المرافق والخدمات الحضرية.... والاستنزاف الجائر للموارد الطبيعية وخاصة المائية الأرضية والطاقة وتدهور نوعيتهما مع ارتفاع معدلات التلوث وخاصة تلوث الهواء.. إضافة إلى تعرض المنطقة بصفة عامة لظروف مناخية قاسية تجلت في تراجع معدلات الأمطار وتكرار ظاهرة الجفاف وزيادة التصحر..

في الجانب المعرفي فإن من معوقات التنمية المستدامة هناك مشكلة تكمن في الفجوة المعرفية وفي عدم توفر الخبرات الفنية والتقنيات اللازمة.. مما يحول دون الوفاء بتنفيذ برامج التنمية المستدامة وخططها على الشكل الأفضل... أما في الجانب الاجتماعي والتنظيمي فتعتبر حداثة تجربة المجتمع المدني وضعف مشاركته في وضع وتنفيذ استراتيجيات وبرامج التنمية المستدامة أحد معوقات التنمية..

تواجه التنمية العربية المستدامة جملة من التحديات لعل أبرزها يتلخص في : ضعف معدلات النمو.. وتفشي البطالة وتصاعد معدلاتها.. ومحدودية الموارد فضلاً عن الهدر والاستخدام الجائر للموارد مما أدى إلى استنزافها.. وخاصة في المياه والأرض والطاقة.

فعلى الرغم من ارتفاع معدلات النمو بدرجة مهمة خلال عام 2003 إلا أن معدلات النمو الحقيقي ما زالت متواضعة في أغلب الدول العربية، (خصوصا عند الأخذ بالحسبان معدلات النمو السكاني ومعدلات البطالة المرتفعة).. إن الدول العربية وطبقا للمؤشرات الدولية فشلت في تحقيق الحد الأدنى لانخفاض مستدام في الفقر الذي يتطلب أن تكون نسبة النمو في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ( 3% ).. بل بقيت الفجوة في النمو بحدود ( 2% ).

أما بالنسبة لتصاعد معدلات البطالة.. فقد ساهم تباطؤ النمو الاقتصادي وتراجع معدلات التشغيل خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة في تفشي ظاهرة البطالة في المنطقة العربية وخصوصا في وسط الداخلين الجدد لسوق العمل، وتحولت أرقام البطالة من أرقام أحادية في أواسط ثمانينات القرن الماضي إلى أرقام عشرية في عقد التسعينات ومطلع القرن الواحد والعشرين في العديد من الدول العربية.. كما سجلت البطالة مستويات عالية بين الشباب الداخلين الجدد لسوق العمل خاصة الفئة العمرية( 15-24) عاما، مما يعكس الزيادة المطردة في عرض قوة العمل قليلة الخبرة، وعدم القدرة على توليد الوظائف الكافية لمواجهتها .

أما بالنسبة لمحدودية الموارد (المياه والأرض والطاقة).. فإن الوطن العربي يعتبر من أكثر مناطق العالم فقرا في الموارد المائية.. إذ يقع حوالي 75% من الدول العربية تحت خط الفقر المائي...كما يعاني الوطن العربي من ندرة الأراضي.. إذ تمثل الأراضي المزروعة حوالي (29 %) من مساحة الأراضي القابلة للزراعة.. في حين تشكل الأراضي الخالية حوالي (55%) من مساحته.. أما مساحة الغابات فهي لا تزيد عن (9 ,3% ) من مجمل مسماة الوطن العربي.. ناهيك عن أنها تفقد بمعدل سنوي يبلغ (59 ,1% )...

أما في مجال الطاقة فإن بعض الدول العربية تعاني من نقص حاد في الطاقة غير المتجددة.. في حين تعاني دول عربية من استهلاك جائر واستنزافي لمواردها من الطاقة غير المتجددة وخاصة النفطية منها.. ويضيق المقام في هذه المقالة عن التفصيل في هذه المسألة..

لقد شكل تحدي الموارد الطبيعية ضغطا هائلاً على التنمية الزراعية العربية.. حتى أصبح الوطن العربي عاجزا عن سد متطلباته الغذائية إذ بلغت قيمة الفجوة الغذائية العربية مع نهاية عام 2001 حوالي (7مليارات دولار).. ( وهي في تصاعد مستمر).

ما العمل؟؟

إن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب توجيه الاهتمام نحو التنمية المتكاملة وفي قمة أولوياتها التنمية البشرية المستدامة.. إن بناء رأسمال بشري ذو نوعية جيدة يستدعي النشر الكامل للتعليم الأساسي.. وتطوير وسائل التعلم والتعليم المستمر تحقيقاً لمبدأ اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد..

والنهوض بنوعية التعليم بتشجيع التميز والإبداع والابتكار.. وتعميق المعرفة أفقياً وعمودياً في مجالات العلوم والتكنولوجيا والتقانة.. وتنمية المهارات والاتجاهات الإيجابية السليمة نحو العمل وخاصة المهني منه.. وتطوير أدوات ووسائل التدريب ورفع مستوى المهارات في مختلف المجالات التي تتطلبها التنمية المستدامة.

إن الأخذ بالتنمية المستدامة يتطلب مجموعة من الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية.. وبناء منظومة قيم إيجابية في التعاطي مع البيئة والاستثمار الرشيد في الثروات المتاحة، ووضع آلية للتكافل الاجتماعي على المستوى الوطني.. فضلاً عن المستوى القومي بحيث تعطى الأولوية للعمالة العربية وتساهم في الحد من البطالة وانتشار الفقر.

كما تتطلب التنمية المستدامة استحضار وصيانة الإرث الحضاري والديني الذي تنفرد به المنطقة العربية واستثماره لتحقيق التنمية المستدامة.. .إن قاعدة استخلاف الإنسان على الأرض وتكليفه بعمارتها له ولمن يخلفه من بعده تقوم على جملة من المبادئ والقواعد الإنمائية المستدامة ومنها :

لا ضرر ولا ضرار، درء المفاسد أولى من جلب المنفعة، إماطة الأذى عن الطريق صدقة.

فهل قمنا نحن بتوظيف ما يحفل به تراثنا من مفاهيم ومبادئ الترشيد والنهي عن التبذير والإسراف والهدر والسلوكيات الاستهلاكية المستفزة؟

لعله في سياق التأصيل الحضاري لقضية التنمية المستدامة من المفيد أن نختم بمقولة رئيس قبائل الهنود الحمر بأن «الأرض ليست إرثا ورثناه عن آبائنا ولكنها قرضا اقترضناه من أبنائنا».

مفكر سياسي أردني