قبل أيام تلقيت «إيميلاً» من مواطنة تتهم مستشفى في أبوظبي بالتسبب في ضياع كلية ابنتها، طلبت منها ما يثبت كلامها فلم ترد علي، وبعد أيام تلقيت اتصالاً من مواطنة أخرى تشكو المستشفى ذاته في موقف آخر حدث معها حز في نفسها وخلف ألماً وغصة في حلقها.
تقول مريم وهي في السابعة والعشرين، ارتبطت بقريب لي في العام 2001، وأجرينا الفحوص التي كانت متبعة آنذاك (الإيدز والتهاب الكبد) ثم رزقنا الله بطفلة تبلغ اليوم الخامسة، وبعدها جاء الولد الذي صادف يوم أمس ذكرى ميلاده الثالث، وفي مثل هذا الوقت من العام الماضي، تقول: شعر بوعكة صحية (سعال وبلاعيم) فأخذته إلى المستشفى وهناك لاحظ الطبيب تغيراً في لونه فطلب إجراء فحص دم له وجاءت النتيجة لتوضح أن نسبة (الهيموجلوبين) عنده تبلغ 4 فتم تحويله إلى مستشفى خليفة وبات هناك ليلة ونقل إليه دم، ثم خرج بعد أن صرفوا له بعض الأدوية دون أن يعرفوا ما به.
وبعد أشهر، تقول مريم: أعطي موعداً لعيادة أمراض الدم ليكتشفوا أن الطفل مصاب بالثلاسيميا، أعانه الله، وعليه أجريت التحاليل للوالدين ليكتشفا أنهما حاملان للمرض، وبالتالي فإن النتيجة الحتمية لولاداتهما هي إما أبناء مصابون أو حاملون للمرض، وبتحليل دم الابنة الكبرى تبين أنها أيضاً حامل للمرض، أما الابنة الثالثة التي ولدت مطلع هذا العام والتي كانت الأم حاملاً بها في شهرها السابع يوم اكتشاف إصابة شقيقها وبالتالي لم تتمكن من فعل شيء حيالها فسواء كانت حاملة للمرض أو مصابة به فلا مجال للإجهاض في حالة ثبوت الإصابة.
ومع هذه الابنة بدأت فصول الحكاية أكثر إيلاماً للوالدين فمع التحليل الذي أجري لدمها بعد ثلاثة أسابيع من ولادتها أي 21 من فبراير الماضي، وبعد ثلاثة أشهر أخبرها الطبيب عند قراءته لتقرير المختبر أن الورقة الأولى تشير إلى أن ابنتها حاملة للمرض، والورقة الثانية منه تشير إلى أنها مصابة نتيجة خطأ من المختبر ـ كما قال ـ ليوقعها في حيص بيص من أمرها، فهل تصدق أن صغيرتها مصابة أم تصدق أنها حاملة للمرض وتوهم نفسها بذلك في مرض لا يعترف بالأوهام ولا يختفي بالأخطاء.
أعادت التحليل وانتظرت النتيجة التي ظهرت قبل يومين لتؤكد الإصابة، بعد سبعة أشهر من ولادة طفلتها لتصبح مصيبة هذه الأسرة مصيبتين، ولتصبح رحلة البحث عن العلاج مزدوجة، إذ علمت أن الحل الجذري لمرضى الثلاسيميا هو زرع نخاع للمريض من شخص تتطابق خلاياه وأنسجته، وقد جاءت نتائج أفراد الأسرة متطابقة بنسبة 50 في المئة حتى دم الحبل السري من ولادتها الثالثة الذي أرادت الاستفادة منه لعلاج ابنها لم يعط أكثر من ذات النتيجة.
نتفهم مشاعر الأم «مريم» ونتعاطف معها ونرثي لحال الصغيرين اللذين ربما كان في الإمكان تجنيبهما ويلات هذا المرض «لو» كانت فحوصات ما قبل الزواج تشمل هذا المرض و«لو» كان هذا الفحص مدرجاً ضمن فحوصات عيادات الحوامل ولو.. ولو...
نتمنى لو تعنى السلطات عندنا بالطب الوقائي أكثر من العلاج الذي لا شك أن تكلفته أقل بكثير من العلاج نفسه فما أمراض السكري وضغط الدم والبدانة والقلب والأمراض الوراثية المنتشرة سوى نتيجة لقلة الوعي وغياب دور الطب الوقائي وإهمال الوقاية خير من العلاج.
