ردت إدارة بوش والبنتاغون على أعقابهما مؤخراً، بفعل اندفاعة علنية غير مألوفة لقول الحقيقة من قبل الأدميرال الذي عينه الرئيس الأميركي جورج بوش ليكون الرئيس التالي لهيئة الأركان المشتركة.

والإجابات البسيطة والصارخة حول مستقبل زيادة القوات الأميركية واحتمالات «الفوز» بالحرب على العراق، التي أدلى بها الأدميرال مايك مولين للجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ جاءت في أعقاب حلقة أخرى محرجة من قول الحقيقة من قبل روبرت مويلر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية في قضية المدعي العام ألبرتو غونزاليس، الذي يجعل من جون ميتشيل المدعي العام في عهد ريتشارد نيكسون يبدو كأنه رجل نزيه بالمقارنة.

والأمر برمته كان مثيراً للأعصاب لدرجة أنه أخرج ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي من تحت سريره في (موقعه السري الذي لم يكشف عنه)، ليظهر في البرامج الحوارية، حيث دافع عن كل من غونزاليس ورئيس طاقم موظفيه السابق، الكذاب المدان سكوتر ليبي، وأعلن أن غزو العراق كان عملاً جيداً.

غير أن الصدمة الأكبر تمثلت في شهادة الأدميرال مولين، التي قال فيها إن زيادة تعداد القوات الأميركية في العراق إلى 160 ألفاً قد حسن الأوضاع إلى حد ما، وأضاف: «إن الأمن أفضل، ليس عظيماً، لكنه أفضل». ومن ثم، في معرض الإجابة عن أحد الأسئلة، اعترف الأدميرال بأن الحكومة العراقية حققت تقدماً قليلاً، هذا إن وجد أصلاً ، في الوصول إلى تسويات سياسية تعد حاسمة لمستقبل البلد. وأضاف أنه من دون التوصل إلى تسوية بين الغالبية الشيعية والأقلية السنية لن يكون هناك نصر في العراق، بغض النظر عن عدد القوات الأميركية التي ترسل وعدد السنوات التي سيبقون فيها هناك.

وقد ذهب الأدميرال بعيداً في تصريحاته أمام أعضاء مجلس الشيوخ ، حيث قال إن الزيادة تعد مؤقتة ولا يمكن إبقاؤها إلى ما بعد إبريل 2008، وعلى أية حال فإنه لن يبقيها عن طريق تمديد جولات قتال الجنود التي تم تمديدها بالفعل إلى ما يتجاوز الأشهر الـ 15 الحالية.

كم هو مثلج للصدر سماع الرجل الذي اختير ليصبح أعلى ضابط عسكري رفيع المستوى في الدولة، يتحدث بصراحة ونزاهة عن الوضع الأمني في العراق والحكومة المترنحة في بغداد. و الجنرال بيتر بيس الرئيس المنتهية ولايته، وسلفه، الجنرال ريتشارد مايرز، أخفقا بصورة بائسة عندما تعلق الأمر بقول أي شيء ما عدا «نعم، سيدي، نعم» لرؤسائهما المدنيين.

وفي غضون ذلك، صرح الضباط الأميركيون في العراق لمارك سيبل وليلى فاضل من صحيفة ماك كلاتشي، أن الميليشيات الشيعية التي تربطها علاقات وطيدة بالحكومة العراقية هي العدو الحقيقي في العراق، وليس القاعدة في العراق، كما يصر الرئيس الأميركي جورج بوش.

هل من الممكن أن إدارة بوش قد نفد لديها المتملقون العسكريون المستعدون أن يبقوا صامتين، على أكتاف المدنيين يومئون برؤوسهم بحكمة ويتذمرون بالصف، بينما تذوب خطة سيئة تلو الأخرى في صحاري العراق الساخنة؟ أم أن وصول روبرت غيتس كوزير للدفاع الأميركي، بدل دونالد رامسفيلد، قد أطلق العنان للجنرالات والأدميرالات بأن يقولوا ما يعتقدون به، بدلاً مما يعتقدون أن رئيسهم يرغب بسماعه؟

وفي الحالتين، فإن الشعب الأميركي ينتابه شعور أفضل، ولا نملك إلا أن نأمل بأن يكون قول الحقيقة معدياً وبأن يتفشى قريباً، على نحو يزيد من صدمة ورعب الرئيس ومن تبقى من رجاله. إن ما قاله الأدميرال مولين هو ما قاله القادة العسكريون الآخرون فيما مضى ـ وما رفض الرئيس سماعه بعناد ـ بأنه لا يمكن لأي شيء نقوم به عسكرياً أن يجعلنا نكسب الحرب، ولا يمكن تحقيق النصر إلا من خلال العراقيين أنفسهم، وحتى الآن لا يرغب أي منهم بالتفاوض مع الآخر أو التحدث إليه بنية سليمة.

إلى أن يكونوا مستعدين للتخلي عن الثأر القديم باسم الوحدة الوطنية، ليس هناك ما يمكن للقوات الأميركية التي يبلغ قوامها 160 ألف جندي، أو لـ 320 ألف جندي أميركي، فعله سوى الوقوف بين الطرفين المتصارعين وأن يبقوا أهدافاً لكليهما. وفي غضون ذلك، نرى مشهد كل من البرلمان العراقي والكونغرس الأميركي يذهبان في إجازتهما الصيفية، بينما قوائم الخسائر الأميركية في العراق تصبح أطول من قوائم الخسائر في الجيش العراقي.

وبينما ننتظر خلال أيام أغسطس الحارة صدور تقرير الجنرال بترايوس و رايان كروكر السفير الأميركي في العراق بشأن التقدم العسكري في سبتمبر، لا نملك إلا أن نأمل أن تمتد ثورة قول الحقيقة إلى الجنرال والسفير.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»خاص لـ «البيان»